وثائق بريطانية: السادات أقنع لندن بالمشاركة في مشروع صناعة عسكرية مصرية

قال موقع بي بي سي أنه رغم انشغال الرئيس المصري الراحل أنور السادات بالتخطيط لحرب أكتوبر عام 1973 لتحرير الأراضي العربية من الاحتلال الإسرائيلي، فقد وضع خطة سرية بعيدة المدى “لتمكين مصر من تصنيع سلاحها”

وتكشف وثائق بريطانية عن أن بريطانيا وافقت بالفعل على المشاركة في مشروع السادات الطموح بتمويل ليبي وسعودي.

في حرب يونيوعام 1967، احتلت إسرائيل خلال ستة أيام شبه جزيرة سيناء، من مصر، والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وغزة، في فلسطين، ومرتفعات الجولان من سوريا.

واجه العرب، بعد الحرب، حظر تسليح دوليا، الأمر الذي عرقل مساعيهم لاسترداد الأراضي المحتلة بقوة السلاح، مع إصرار إسرائيل على عدم الانسحاب من هذه الأراضي.

وفي شهر أغسطس/آب عام 1972، صارح السادات البريطانيين بأنه وصل إلى قناعة بأن الفجوة بين مصر وإسرائيل في القدرات العسكرية “تتسع” وبأن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي “اتفقا على نوع ما من الحظر على إمداد العرب بالسلاح”

وجاء إقرار السادات بصعوبة موقف مصر التسليحي خلال لقائه سرا بوفد عسكري ودبلوماسي بريطاني، شارك فيه ريغنالد أندرسون، مسؤول مبيعات الأسلحة في وزارة الدفاع البريطانية، وسير ريتشارد بيمونت، سفير بريطانيا في القاهرة.

ووفق تقرير السفير عن اللقاء، أبلغ أندرسون السادات باستعداد بريطانيا “للمساعدة في إنشاء خط لإنتاج طائرات باك سترايكماستر 167″، المصممة للتدريب والهجوم الأرضي الخفيف غير أن السادات “اعتبر سماح بريطانيا لمصر بتصنيع طائرات سترايكماستر ذات القدرات الهجومية المحدودة غير كاف”

وعرض السادات المعلومات المتوفرة لدى مصر عن تسليح الجيش الإسرائيلي. وقال إن الأمريكيين “يزودون إسرائيل بكل شيء تطلبه حكومتها، بل بأكثر مما تحتاجه بالفعل”. وضرب مثالا بالدعم الأمريكي لإسرائيل في مجال القدرات الجوية.

وقال “لقد تم تجديد السلاح الجوي الإسرائيلي تجديدا كاملا بطائرات فانتوم وسكايهوك، ومُكنت إسرائيل من الحصول على وسائل تصنيع معدات متطورة من كل الأنواع لا سيما المعدات الإلكترونية”

وتزامن لقاء السادات بالوفد البريطاني مع توتر في العلاقات السياسية بين بريطانيا ومصر، التي انزعج رئيسها من دعوة الحكومة البريطانية إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل رغم رفضها إبداء أي استعداد لقبول تسوية على أسس عادلة مرضية للعرب، أصحاب الأراضي المحتلة.

لماذا بريطانيا؟

وفي تقريره، قال السفير إن السادات طلب من بريطانيا التالي: تمكين مصر من امتلاك القدرة على تصنيع الأسلحة، وخاصة الطائرات المقاتلة القاذفة والهليكوبتر المقاتلة، وإنشاء مصانع في مصر لتصنيع محركات الطائرات الحربية، وخاصة طائرات ميغ 21.

وكشف السادات، الذي كان يواجه ضغطا شعبيا متصاعدا لاستئناف الحرب لتحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي، للبريطانيين عن أنه اتخذ بالفعل خطوات لإنجاز مشروعه.

وحسب التقرير، فإن السادات أكد أنه أعاد فتح مصنع حلوان للطائرات الذي قال إن الفريق محمد فوزي وزير الحربية السابق، المحكوم عليه حينها بالسجن المؤبد لاتهامه بالمشاركة في التآمر على السادات عام 1971، كان قد أغلقه تلبية لطلب السوفييت.

وخلال اللقاء نوقشت أسباب لجوء السادات إلى بريطانيا أولا لمساعدته في إنشاء صناعة السلاح في مصر.

وصارح السادات زائريه بأن “مهندسيه في حلوان أبلغوه بأن المصنع في الأصل أُنشئ بمعدات شركة رولزرويس البريطانية، وأن الكثير (في المصنع) لا يزال صالحا للخدمة”. وأضاف أن المهندسين أنفسهم “أكدوا أنهم يفضلون العمل مع بريطانيا على أي دولة أخرى”

وفيما يتعلق بالتمويل، كشف السادات للبريطانيين عن أنه “حصل على موافقة” الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي “لتمويل مشروع التصنيع العسكري المصري”.

قرار “صعب للغاية”

وطرح الزعيم المصري على أندرسون الصيغة التالية: “إبرام اتفاق تجاري تماما تُنحى فيه السياسة جانبا”، وهذا الاتفاق “يمكن أن يكون بين الحكومتين (المصرية والبريطانية) أو بين الحكومة (المصرية) والشركات (البريطانية)”

رفضت بريطانيا رفضا قاطعا بيع طائرات جاغوار المقاتلة للجيش المصري رغم إلحاح السادات.

وأكد السادات “عزمه على الخروج من ورطة” نقص السلاح، وأن “مصنع حلوان سيُعاد تجهيزه بطريقة أو بأخرى”. وأنهى عرضه بتحذير البريطانيين من أنه “تلقى بالفعل عروضا أخرى يعتقد بأن أحدها بإيحاء من الولايات المتحدة، وقد يقبله، كما أنه على اتصال بالفرنسيين”

غير أنه يفضل، للأسباب التي ذكرها آنفا، أن “يطلب من بريطانيا أولا المساعدة في تأمين الحصول على قدرات التصنيع”، آملا أن “ترى حكومة جلالة الملكة في المساعدة مصلحة لها”

لم يعط أندرسون السادات ردا قاطعا. غير أنه أبلغه بأنه “يمكن إرسال فريق لدراسة المشكلة” في مصنع حلوان

وكشف مسؤول المبيعات العسكرية البريطاني عن أن مهندسين مصريين زاروا لندن أخيرا و”قالوا للبريطانيين إن طائرات سترايكماستر قد تكون هي الطائرة المثالية التي يعود بها المصنع إلى العمل”.

وقال السفير بيمونت إن السادات وافق على هذا، غير أنه شدد على أنه “من الضروري المضي بسرعة في العمل للانتقال إلى تصنيع طائرة مقاتلة جديدة مثل جاغوار”

وصارح أندرسون السادات بأن أي مساعدة بريطانية للوصول بمشروع التصنيع العسكري إلى مرحلة تصنيع الجاغوار “لن يكون أمرا سهلا”.

وقال “بينما لا يُستبعد التقدم من تصنيع باك سترايكماستر إلى جاغوار، فإن الاعتبارات السياسية تجعل أي قرار بشأن توريد وتصنيع جاغوار صعبا للغاية بالنسبة لنا”.

ورد السادات قائلا “مصر تملك المال والقاعدة العلمية والهندسية اللازمة، وسوف تمضي قدما في تصنيع الطائرات، على أمل أن تفعل ذلك على أساس تجاري”.

وسأل “هل سيحدث هذا مع بريطانيا أم لا؟”. كما طلب أن تبيع بريطانيا مصر في المرحلة الحالية أسلحة هجومية من بينها الجاغوار.

“لا تبلغوا الأمريكيين”

بعد اللقاء، بعث السفير تقريرا وافيا يتضمن رأيه وتوصياته عن وضع مصر الحالي.

حيث عرض التقرير المقدمات التالية:

  • السادات وصل إلى قناعة بأن العلاقة مع الروس لن تحقق هدفه وهو تحقيق انتصار على إسرائيل أو التكافؤ معها كي يجبرها، حسب رأيه، على التفكير في شروط تسوية تعيد الأراضي المحتلة.
  • لدى السادات أمل في مساعدة بريطانيا في توفير خبرة تصنيع المعدات العسكرية، وفق مبدأ المنفعة المتبادلة.
  • أعلم الاعتراضات السياسية والأمنية على تزويد مصر بأسلحة مثل طائرات جاغوار ورابير والهيلكوبتر سي كينغ.

وبناء على ذلك أوصى بينمونت بالتالي:

  • إذا زودنا الجيش المصري بالجاغوار، فإنه في ظل قيود العدد وفترة التوريد، فإنه من غير المحتمل على الإطلاق تقريبا أن يقترب المصريون بأي قدر يشبه التكافؤ مع إسرائيل في الجو لسنوات عديدة قادمة.
  • الرد بسرعة على المصريين، حتى لا نتركهم ينتظرون في حيرة من أمرهم.
  • التشديد على عدم إبلاغ الأمريكيين بأي شيء عن استعدادانا تزويد المصريين بطائرات باك استراتيكماستر التي قدمنا لهم عرضا بشأنها وهم ما زالوا يبحثونه.

وحذر من أن إبلاغ الولايات المتحدة بالأمر فيه مخاطرة لأنها قد تبلغ إسرائيل قبل اكتمال الصفقة المصرية البريطانية. ونبه إلى أنه لو علم الإسرائيليون في تلك المرحلة بأمر المفاوضات بين القاهرة ولندن “سوف يسعون إلى تخريب العلاقات بين وزارتي الدفاع المصرية والبريطانية”

وقد أجرت السلطات البريطانية المعنية، ومنها وزارتا الدفاع والخارجية وأجهزة الاستخبارات والجهات المراقبة لمعايير بيع الأسلحة، مشاورات استمرت شهورا لبحث الطلبات المصرية.

وخلال المشاورات التقى السفير البريطاني أكثر من مرة بالرئيس السادات وكبار قادته العسكريين الذين شددوا على جدية مشروع التصنيع العسكري.

وبعد دراستها الطلبات المصرية، انتهت وزارة الدفاع البريطانية إلى التالي:”لا يمكن أن يكون هناك شك في أن العرب، مدفوعين بالتقدم الذي حققته الصناعات الدفاعية الإسرائيلية، عازمون على تحسين صناعتهم الدفاعية، الأمر الذي يعني بالأساس صناعة مصر الدفاعية”

ونبه وزير الدفاع لورد بيتر كارينغتون، في تقرير بالغ السرية إلى رئيس الوزراء، إلى أهمية المنفعة المالية للمشروع المصري.

وقال: “وعدت السعودية والكويت وأبو ظبي وليبيا بمبالغ مالية هائلة، تقدر بما بين 500 مليون جنيه استرليني و3 آلاف مليون (3 مليارات) جنيه استرليني”

وحذر من أن المصريين “سوف يجدون شركاء في مكان ما – ونحن نعلم أن الفرنسيين والإيطاليين نشطون، غير أننا، الآن في المقدمة.”

غير أنه عبر عن رفضه بيع طائرات الجاغوار لمصر “خشية المساهمة في استئناف الحرب في الشرق الأوسط، ومخالفة سياسة بريطانيا بشأن حظر السلاح للمنطقة”

وعبر وزير الخارجية أليك دوغلاس هوم عن اعتقاده بأن رفض مبدأ المشاركة بالكامل “سوف يضر بعلاقاتنا مع العالم العربي”

وقال في تقييم سري للعرض المصري “أظن أن التهديد البسيط الذي يشكله تصنيع الطائرات الهجومية في مصر قد يكون كافيا لدفع الإسرائيليين إلى التفكير بجدية في سلام وهو ما لا يفعلونه بجدية الآن لأن تفوقهم بلا منافسة في الجو يعطيهم كل الأمن والحرية اللذين يحتاجونهما”.

وتوقع أن يسهم المشروع ومشاركة بريطانيا فيه في تحقيق سلام بعيد المدى في الشرق الأوسط.

وقال: “الأهم هو أن هذا (التصنيع العسكري) ربما يمنح أيضا المصريين الثقة في خوض مفاوضات جادة والتوصل إلى اتفاق سلام مرض يمكِّنهم والإسرائيليين من أن يتعايشون للأبد”. وأيد قرار منع بيع الجاغوار لمصر.

شكوك بريطانية وتطمينات مصرية

وفي أواخر شهر سبتمبر/أيلول عام 1972، أبلغت بريطانيا مصر رسميا بموافقتها على المشاركة في المشروع على أن يبدأ “بتصنيع طائرة هليكوبتر للاستخدام العام، و 100 طائرة باك سترايكماستر 167”. لكنها رفضت بيعها طائرات الجاغوار.

وبدت بريطانيا، في الوقت نفسه، على قناعة بأنه ليس أمام مصر سوى خيار واحد هو التفاوض مع إسرائيل، ولا مجال لأن تقدم على تحرير الأراضي بالعمل العسكري.

وفي شهر فبراير/شباط 1973، أوفد السادات مستشاره للأمن القومي حافظ اسماعيل إلى بريطانيا ليبلغ إدوارد هيث، رئيس وزرائها، بأن الشرق الأوسط “يقترب من مرحلة صعبة وخطيرة”، وأن هناك “شعورا عميقا في مصر والدول العربية بتأثير استمرار الاحتلال الإسرائيلي الطويل”

وأبلغ هيث إسماعيل بأنه “يشعر بأن ضعف موقف مصر الحالي يكمن في أنه ليس أمامها خيارات أخرى” سوى مفاوضات سلام مع إسرائيل.

وأضاف أنه “لو كانت مصر تنوي خرق وقف إطلاق النار، فإن هذا النهج المحتمل في السلوك يبدو له مفتقدا للمصداقية”

أصر السادات على الاستعداد لاستئناف الحرب، فألح على البريطانيين كي يردوا على طلباته.

وفي الشهور الأربعة الأولى من عام 1973، تبادلت بريطانيا ومصر زيارات الوفود العسكرية المختصة في مجالات التصنيع وإدارة المصانع.

وأعدت الوفود البريطانية، التي زارت عددا كبيرا من المصانع الحربية المصرية، تقريرا إيجابيا عن البنية الصناعية والبشرية اللازمة للمضي في التصنيع.

وقالت في تقرير شامل “التصنيع المحلي لعدد كبير من الأسلحة والمعدات ممكن”.

واستمرت المشاورات في بريطانيا بشأن حجم مشاركة شركاتها في المشروع، حتى أواسط عام 1973، دون إبلاغ المصريين بالخطوة التالية.

وفي يونيو/حزيران من العام نفسه، أبلغ السادات السفير البريطاني الجديد في مصر فيليب أدامز بضرورة اتخاذ بريطانيا إجراءات سريعة للبدء في مشروع التصنيع.

وخلال لقائهما، نقل السفير إلى السادات “شكوك” حكومته إزاء مسألتين: الأولى هي التمويل، والثانية هي المخاطر التي يمكن أن تهدد المشروع مع احتمال اندلاع الحرب.

وحسب برقية عاجلة أرسلها السفير إلى لندن، فإن السادات رد على المسألة الأولى قائلا “لا ينبغي لنا أن نقلق، فليبيا والسعودية وراءه”، ثم “نفى” أي مخاطر تهدد المشروع.

ومضى السفير يقول: “شدد السادات هذه المرة على أن الصناعة العسكرية المصرية سوف تتمتع بقدرات التصدير إلى الدول العربية، وإمكانية التحول إلى الاستخدام المدني” وطلب السفير من حكومته التعامل مع طلب السادات بسرعة.

غير أن السادات لم يتلق ردا حتى اتخذ قرار الحرب التي بدأت في السادس من أكتوبر/تشرين الأول عام 1973.

 

شاهد أيضاً

مؤتمر دولي حول حصار غزة غدًا الإثنين

يعقد مجلس العلاقات الدولية – فلسطين (مستقل)، غدا الإثنين، مؤتمرا دوليا في غزة، يتناول الحصار …