وفود إسرائيلية ترتب .. هل يعود مولد “أبو حصيرة” بمصر رغم أنف القضاء؟

في 3 يناير/ كانون الثاني 2022، كشفت هيئة البث الإسرائيلية “كان” أن حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة ترتب لإرسال وفد إلى مصر، لإحياء ذكرى الحاخام يعقوب أبو حصيرة الذي يقع قبره بمدينة دمنهور شمالي البلاد.

وأكدت الهيئة الحكومية أن وزراء نتنياهو يعملون خلف الكواليس مع النظام المصري، لإعادة تنظيم مراسم إحياء الذكرى السنوية للحاخم بعد توقفها بحكم قضائي نهائي قبل سنوات منع من زيارة اليهود للضريح.

وعقب تطبيع العلاقات بين مصر والكيان الإسرائيلي عام 1979، شرع اليهود في تنظيم مراسم بين 26 ديسمبر/ كانون الأول و2 يناير/ كانون الثاني من كل عام في ضريح أبو حصيرة، وسط حضور يهودي لافت من إسرائيل وأميركا وأوروبا، بحسب موقع “الاستقلال”.

وكانت محكمة القضاء الإداري بمحافظة الإسكندرية رفضت في ديسمبر 2014 نقل الضريح إلى مدينة القدس، وذلك استجابة لدعوى أقامها محامون مصريون، شملت أيضا وقف الاحتفالات اليهودية التي تتم سنويا بمولد أبو حصيرة.

وأرجعت المحكمة المصرية قراراها، لمخالفتها النظام العام والآداب وتعارضها مع وقار الشعائر الدينية وطهارتها، وشملت كذلك إلغاء قرار وزارة الثقافة الصادر عام 2001 باعتبار الضريح موقعا أثريا.

واستندت المحكمة في رفضها لنقل الرفات إلى أمرين: أولهما أن الإسلام يحترم الأديان السماوية وينبذ نبش قبور موتاها، والثاني كون فلسطين أرضا محتلة ويجب تجنّب إضفاء شرعية يهودية الدولة عليها بوجود هذا الضريح على أرض عربية.

لكن المثير أن الحكومة المصرية طعنت على هذا الحكم، لتتم إحالة الأمر إلى المحكمة الإدارية العليا التي حسمت القضية في 26 سبتمبر 2020، برفض الطعن الحكومي وتأييد الحكم القضائي الصادر عام 2014.

زيارة سرية

ورغم ذلك، نشر الصحفي الإسرائيلي روعي كايس، في 3 يناير، كانون الثاني مقطعا مصورا عبر تويتر، كشف فيه وجود وفد إسرائيلي في ضريح أبو حصيرة” بالفعل بدعوى “التنظيف الشامل له بعد أن ترك مهملا”

وأكد كايس أن الوفد الذي ذهب إلى الضريح “منخفض المستوى”، وأن الزيارة كانت “مغلقة وسرية وجاءت نتيجة لجهود مسؤولين أميركيين مع النظام المصري.

وكان لافتا أن زيارة الوفد الإسرائيلي السرية لمصر لتهيئة ضريح أبو حصيرة كي يكون مزارا مجددا للإسرائيليين، جاءت في نفس يوم اقتحام وزير الأمن الإسرائيلي المتطرف “إيتمار بن غفير” لساحة المسجد الأقصى.

وأجرى بن غفير الزيارة التي كان تعهد بالقيام بها قبل توليه منصبه الوزاري، رغم اعتراضات إسرائيلية ودولية، بهدف تغيير الوضع القائم ببيت المقدس لصالح اليهود.

وبحسب الادعاء الإسرائيلي، ولد يعقوب أبو حصيره عام 1806 في المغرب، وكان يرغب في الهجرة إلى إسرائيل، ليغادر المغرب في 1879، لكنه توفي وهو في الطريق بسبب المرض، أثناء وجوده في مصر ودفن هناك.

ويقع ضريح أبو حصيرة، داخل مبنى من الحجارة وسط قرية “دميتوه” بمدينة دمنهور في محافظة البحيرة، وعليه قطعة من القماش الأسود مكتوب عليها عبارات باللغة العبرية.

وعقب تطبيع العلاقات بين مصر والكيان الإسرائيلي، سافر إسرائيليون للضريح وأعادوا ترميمه وحولوه لمزار ديني يحجون إليه سنويا، بدعوى أنه حاخام مُبارك تُستجاب دعواته.

واعتاد آلاف اليهود السفر إلى مصر سنويا لزيارة الضريح، وزعمت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، أن “عددهم خلال آخر زيارة بلغ حوالي 30 ألف زائر في احتفال عام 2012”

لكن هذا الرقم السابق مبالغ فيه، حيث كان عددهم يبلغ في غالبية السنوات قرابة أربعة آلاف وفق أعلى التقديرات الصحفية المصرية.

وتكررت شكاوى أهالي قرية دميتوه من الزحام والصخب وممارسات الشعوذة التي تصاحب المراسم الصهيونية السنوية، حيث تحضر عشرات السيارات السياحية تحمل مئات اليهود من إسرائيل ودول مختلفة.

وتتحول القرية إلى ثكنة عسكرية في هذا التوقيت من كل عام، مع فرض الأجهزة الأمنية سيطرتها الكاملة على مداخل ومخارج القرية، لتأمين الوفود اليهودية.

لذا تقدم محامو القرية بطلب لمحكمة القضاء الإدارية لإلغاء المراسم اليهودية ومنع الإسرائيليين من الحضور، وصدر حكم في عام 2014 بمنع الاحتفال، وأصبح الحكم نهائيا في عام 2020.

ملابسات الزيارة

وعن ملابسات الزيارة الإسرائيلية السرية لضريح أبو حصيرة، قال شهود عيان، إن سيارة توقفت في 26 ديسمبر 2022، على الطريق المؤدي لقبر أبو حصيرة، ونزل منها 5 أشخاص تبدو ملامحهم غير مصرية.

وأوضحوا لـ “الاستقلال”، مفضلين عدم ذكر هوياتهم، أنهم كانوا أشبه بحاخامات إسرائيل، واثنان منهما ارتديا القلنسوة اليهودية مع اقترابهم من الضريح.

ولفتوا إلى أن سيارة شرطة كانت قد وصلت الموقع قبل وصول هذا الوفد، ووقفت قرب الضريح لحماية القادمين.

وذكروا أن الوفد كان يحمل أدوات عليها غطاء، وفتحوا الضريح ودخلوا وغابوا عدة ساعات، قبل أن يعودوا أدراجهم ويسود المكان الهدوء كما كان من قبل.

صحيفة “يديعوت أحرونوت” شرحت لاحقا في 28 ديسمبر 2022 ما فعله هؤلاء “المتطوعون الإسرائيليون” كما أسمتهم، داخل الضريح.

وقالت إن مجموعة من المتطوعين قاموا بتنظيف وإعادة طلاء جدران مقبرة الحاخام أبو حصيرة واستبدال النوافذ بعد سنوات من الإهمال، حيث حظرت مصر حج اليهود إلى القبر بسبب جرائم أخلاقية يُزعم أن المحتفلين ارتكبوها”

وأكدت أن “هؤلاء المتطوعين الإسرائيليين وصلوا إلى مصر في 26 ديسمبر / كانون الأول في رحلة سرية لترميم قبر الحاخام، وتمت العملية في عدة ساعات بالتنسيق مع السلطات المصرية”

وكشفت “يديعوت أحرونوت” أن الزيارة لا تهدف إلى ترميم المقبرة فقط، مؤكدة أن “إسرائيل تأمل أن تقبل السلطات المصرية عودة الحجاج اليهود لزيارة الضريح سنويا من جديد”

ولفتت إلى أن السفيرة الإسرائيلية في مصر “أميرة أورون” كانت قد وعدت الحاخام الأكبر يتسحاق يوسف، حاخام اليهود الشرقيين (السفارديم) بأنها ستناشد السلطات المصرية السماح بترميم القبر، وهو ما يعني استجابة الحكومة المصرية للطلب.

ولاحقا، زار وفد إسرائيلي آخر ضريح أبو حصيرة سرا، وبدا أنه وفد رسمي لمعاينة ما تم إنجازه داخل المقبرة، وفق الصحفي روعي كايس.

ولفت إلى أن السفارة الأميركية تدخلت مجددا للضغط على السلطات المصرية كي تسمح للإسرائيليين بفتح قبر أبو حصيرة أمام الحجاج اليهود السفارديم.

وفي هذا السياق لفت الصحفي الفلسطيني الدكتور صالح النعامي، عبر “تويتر”، إلى أن المهتمين بزيارة قبر أبو حصيرة هم من اليهود الشرقيين، من غلاة المتطرفين والموغلين في عدائهم وعنصريتهم تجاه العرب.

انتهاك القضاء

والتدخل الأميركي هذا هو الثاني من نوعه، حيث تدخلت السفارة من قبل لمطالبة مصر بترميم مقابر اليهود في البساتين، وتبرعت الخارجية الأمريكية بـ150 ألف دولار من أجل ذلك، وأقيم حفل افتتاحها أخيرا.

لكن الوضع هذه المرة يختلف لصدور حكم قضائي نهائي يمنع إقامة مهرجان أبو حصيرة، على عكس حالة المقابر اليهودية الموجودة في جنوب القاهرة.

لذا يعد موقف النظام المصري برئاسة عبد الفتاح السيسي تواطؤا رسميا وانتهاكا من أكبر سلطة بالبلاد لسلطة القضاء.

وفي هذا السياق، كشفت هيئة البث الإسرائيلية، أن “تجديد الاحتفالات ليس في الأفق عام 2023” رغم زيارة الوفد السرية.

وأكدت أن هذه الزيارة جاءت نتيجة جهود تنسيقية مع النظام المصري، بعدما طلبت حكومة نتنياهو السماح ليهود بأداء الصلوات عند قبر الحاخام أبو حصيرة في ذكراه السنوية.

ويقول محامون وبعض الأهالي من القرية إنه على الرغم من استصدار حكم قضائي بمنع هذا الاحتفال اليهودي خصوصا أنه ترتكب فيه تجاوزات كثيرة تتعارض مع تقاليد القرية، هناك مخاوف من إعادة المراسم من جديد.

وأضافوا: “يجرى تجهيز الضريح وترميمه، ربما لعودة اليهود إليه على ما يبدو بالمخالفة لحكم القضاء”

وأوضحوا أنهم عانوا كثيرا عقب توقيع اتفاق “كامب ديفيد” حين بدأ اليهود يطلبون رسميا تنظيم رحلات دينية إلى القرية للاحتفال الذي يستمر قرابة 15 يومًا.

ومع الزيادة العددية توسع أسلوب الاحتفال من مجرد الجلوس عند المقبرة، وذكر بعض الأدعية والتوسلات لحد البكاء، ولا سيما من العجائز طالبات الشفاء من مرض ما.

ثم تطور أكثر إلى ذبح أضحيات من المواشي وشرب الخمور أو سكبها فوق المقبرة ولعقها بعد ذلك، والرقص على بعض الترانيم اليهودية بشكل هستيري وشق الملابس

وشهدت المقبرة بعض التوسع مع تزايد عدد القادمين، وجرى كسوة “الضريح” بالرخام، والرسوم اليهودية، والقماش الأسود، ثم بدأ ضم بعض الأراضي حوله وبناء سور.

ثم إقامة منشآت أشبه بالاستراحات، حتى اتسعت المقبرة من مساحة 350 مترا مربعا إلى 8400 متر مربع، وبدأت التبرعات اليهودية تنهال لتوسيعها.

وأكدوا أن حكم القضاء أراح الأهالي وكانوا يتوقعون إزالة الضريح أو بقاءه خاليا كقبر، لكنهم يخشون الآن، عودة الإسرائيليين لقريتهم مجددا وبحراسة أشد ما يجعلهم محاصرين داخل منازلهم طوال قرابة 15 يوما.

شاهد أيضاً

الأمم المتحدة: الأوضاع الإنسانية في غزة تزداد سوءا بسبب الحصار الإسرائيلي

أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية (أوتشا) أن الأوضاع الإنسانية في …