وليد شوشة
وليد شوشة

وليد شوشة يكتب: صُنع العدو .. أو كيف تقتل بضمير مرتاح

الكتاب من تأليف بيار كونيسا وترجمة نبيل عجان، ومنشور ضمن سلسلة ترجمان الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولي بيروت، أيار/ مايو2015

والمؤلف كان يشغل منصب أحد مديري مفوضية الشؤون الاستراتيجية التابعة لوزارة الدفاع الفرنسية، ثم منصب المدير العام للشركة الأوروبية للذكاء الاستراتيجي، وهو مكتب دراسات مهم .

يحتوي الكتاب علي تمهيد ومقدمة وثلاثة كتب وخاتمة .

يوضح المؤلف في المقدمة الهدف من الكتاب فيقول إنه : ” يرنو إلي تحليل كيفية نشوء علاقة العداوة، وكيف يُبني المتخيل قبل الذهاب إلي الحرب، وقبل دراسة أشكال العنف، مهما كانت فإن ما يهمنا هو الطريقة التي تجعل العنف شرعياً ومقبولاً ؛ إذ في الدول الديمقراطية يجب علي الحرب أن تكون ” ديمقراطية”  والحرب هي ترخيص ممنوح شرعياً لقتل أناس لا نعرفهم (أو أحياناً نعرفهم حق المعرفة علي غرار الحروب الأهلية) لكنهم يتحولون فجأة إلي طرائد يجب تعقبها والقضاء عليها”,  والحرب : هي اللحظة “غير الطبيعية” في حياة البشرية ، لأنه من يرفض قتل العدو يُعاقب بالموت، ولذا يجب علي القاتل أن يقتل عن طيب خاطر، وأن يكون مقتنعاً بما يفعل .

كيفية صناعة العدو

 يقول هنري ميشو:(إن تحديد الأعداء والأصدقاء والتحقق منهم يشكل آلية ضرورية قبل شن الحرب). ويري المؤلف أن صناعة العدو كثرت على مر التاريخ ، منها ” الخطر الأصفر” وكان من اختراع “غيوم الثاني”، بغية تبرير مشاركة ألمانيا في تقسيم الصين . ثم ظهرت ” ألبيون الغدارة ” وهو وصف أطلقه الفرنسيون علي بريطانيا العظمي متهمة إياها بمنع فرنسا من الاستعمار بطريقة هادئة . و” المؤامرة اليهودية – الماسونية ” للبلوتوقراطيين (أي الأثرياء المتنفذين) التي ازدهرت في فترة ما بين الحربين العالميتين، والتي استخدمت لتبرير المحرقة النازية (الهولوكوست) وتجريد حملات الاعتقال. وخطاب الرئيس بوش في 29 يناير2002 والذي يشير بشكل أحادي إلي بلدان “محور الشر ” الثلاث مثالاً معاصراً للإنتاج المصطنع للأعداء قدمته أقوي ديمقراطية في العالم.

ويري كونيسا أن حرمان الغرب من العدو هو إبطال تقني للقطاع الاستراتيجي الغربي، مستشهداً بالمقولة الشهيرة لألكسندر أرباتوف المستشار الدبلوماسي لميخائيل جورباتشوف (آخر زعيم للاتحاد السوفييتي) “سنقدم لكم أسوأ خدمة، سنحرمكم من العدو!” بيد أن النزاعات والتلويحات بالحرب لم تنخفض عددياً، وربما قلت خطورتها بعض الشيء، حيث أصبحت إقليمية، وتبدو لنا أحياناً مبهمة.

ولكن من أين يأتي الاحتراب؟

 يجيب كونيسا:”يجد الاحتراب جذوره في حوادث الواقع، لكنه كثيراً ما يجدها كذلك في بنىً أيديولوجية، وفي تهيؤات أو أشياء مبهمة”.

ويري أن الديمقراطية ليست حاملة للسلام بذاتها، وإلا لما قامت عمليات الاستعمار الفرنسية والبريطانية قط، ولما وُجد الأمريكيون في العراق ، ولما استعمر الإسرائيليون الأراضي المحتلة.

كما أن الأنظمة الدكتاتورية ليست كلها داعية إلي الحرب فنظام “ميانمار” العسكري أو برتغال” سالازار” هما خير مثال.

ويرى أن الدكتاتورية تكتسب الأعداء بسهولة وبساطة سواء كان عدواً داخلياً ، أو خارجياً كما الحال بالنسبة إلي جنرالات الأرجنتين الذين أعادوا إحياء المطلب المتعلق بجزر فوكلاند البريطانية, أو خلط الاثنين معاً كما الحال بالنسبة إلي النظام الهتلري الذي حدد عدوه، أي اليهود والأعراق البشرية الأدنى، والديمقراطيات وفرنسا والشيوعيين….إلخ. أو الستالينية التي نددت بالتروتسكيين والبوخارينيين والجواسيس وأعداء الاشتراكية والامبرياليين.

والدول الديمقراطية لا تختلف كثيراً عن الديكتاتورية، فمثلاً الهند والتي هي أعظم ديمقراطية في العالم، وقد اكتسبت لقب ” بلد اللاعنف ” مع المهاتما غاندي، قادت ستة حروب خارجية (أربعة ضد باكستان ، وواحدة ضد الصين، وتدخلاً في سريلانكا) وقادت هجوماً عسكرياً كعملية شرطة داخلية علي “معبد أمريتسار الذهبي” لتحطيم الحركة القومية للسيخ. وعلي النقيض من ذلك، الصين التي تُقدم علي أنها بلد مُهَدِد، مع أنها لم تتدخل منذ عام 1949 إلا في نزاعين خارجيين (كوريا والهند) وقامت بإعادة غزو استعماري للتبت.

الديمقراطية مجتزأة، وتنقسم الرؤية حيالها إلي وجهتي نظر “فتأسيس دولة إسرائيل بالنسبة إلي يهود العالم كله نهاية اضطهاد طويل بلغ ذروته في الإبادة التي ارتكبها الأوروبيون، لكن ليس لها أي معنى في البلدان الإسلامية التي أمّنت بشكل واسع، وعلى مدى قرون عدة، الحماية والأمن لليهود الذين طردهم المسيحيون.

من يصنع العدو؟

يقول كونيسا بأنه منذ الثورة الفرنسية، لم يعد الملك هو الذي يقرر الحرب أو السلم بمفرده، بل يلزم نشوء قوميات ونزاعات عالمية موافقة للرأي العام؛ لكونه العامل الأساس للتعبئة الحربية.

مراحل صنع العدو

أيديولوجيا استراتيجية محددة، خطاب ، صناع رأي, ندعوهم المحددين، وأخيراً آليات صعود نحو العنف .

محددو العدو

 متعددون ومختلفون بحسب أنواع النزاعات، وهم ليسوا المحللين الأكثر دقة للوضع، لكنهم الأكثر تأثيراً . لقد كان وزن ديروليد في فرنسا أهم من جوريس في النزاع العالمي الأول. ولقد أقنع كيبلينج وبيار لوتي الرأي العام بثقافة الإمبريالية بشكل واسع. وأنتجت هوليوود كمية كبيرة من أفلام رعاة البقر حول غزو الغرب الأمريكي التي عاشها المشاهدون لمدة طويلة باعتبارها ملحمة عظيمة مؤسسة، فيما كان الأمر يتعلق بإبادة ممنهجة لقبائل الهنود الحمر.

أشكال العدو

” العدو القريب ” هو الجار، والنزاع معه جراء خلاف حدودي.      

“الخصم العالمي” المنافس في خصومة قوتين تعطيان لنفسهما نزعة عالمية، أو تنافس الإمبرياليات في سباق الاستعمار.

 ” العدو الحميم” الحرب الأهلية، الاقتتال بين جيران كانوا يبدون أنهم يعيشون في سلام. تبدأ الحرب بالكلمات ثم تنتهي بالقتل الاستباقي: أن نقتل قبل أن نُقتل!

” العدو الهمجي ” هكذا يعتبر المحتلُ الشعب الذي يحتله، والعدو هو الشعب الذي يعاني الاحتلال، والقمع هو ” إحلال السلام ” .

” العدو المحجوب ” قوة خفية ، وهاجس ناجم عن ” نظرية المؤامرة ” التي كانت أساس الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية ضد “الشيوعيين”.

” حرب الخير ضد الشر” لا تقتصر علي النزاعات الدينية؛ إذ هي حرب الأنظمة الشمولية الكبيرة العلمانية في القرن العشرين، الآخر هو “الشر” بل حتى” الشيطان” ويجب ابادته.

” العدو التصوري” هو فعل إمبريالي للقوة العظمي، وهو وضع فريد عرفه العالم تحت رئاسة جورج بوش الابن . ليس لديه عدو يجاريه  لا يمكنه سوى محاربة مفاهيم في صراع شامل، والحرب هنا وقاية .

” العدو الإعلامي” يجتاحها الإعلا ؛ إذ تتفوق الصورة علي النص . ويتحدد التهديد عبر مثقفين إعلاميين، ومشتتين و/أو أشخاص يعملون في المجال الانساني. ويؤدي هذا التهديد إلي أعمال عسكرية من دون عدو.

وقد كتب فريدريش نيتشه ” إن من يحيا علي محاربة عدوه، من مصلحته أن يدعه يعيش”.

هل من الممكن تفكيك العدو؟

 نعم من الممكن تفكيكه، كالمصالحة التاريخية بين فرنسا وألمانيا، بعد ثلاثة حروب مدمرة بين عدوين يوصفان بأنهما ” وراثيان”. ولم يكن بناء الاتحاد الأوروبي الذي يتقدم عبر التفاوض، إلا بثمن مماثل .

ومن طرق تفكيك العدو … التكفير عن الذنب، العفو، الاعتراف، الذاكرة المشتركة، العدالة ….وقد لاقت نجاحات مختلفة، ففي إسبانيا وبعض بلدان أمريكا اللاتينية فضلت قوانين العفو النسيان علي العدالة والعقاب، من أجل تشجيع العودة إلي الديمقراطية.

ومع إنشاء العدالة الدولية، يتكفل العالم بمعاقبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية أو الابادة العرقية. ولكن يجب ألا تبقي مقتصرة علي ملاحقة مرتكبي المجازر المنحدرين من بلدان فقيرة أو دكتاتورية. فمن يحاكم من؟

 وللحديث بقية..

شاهد أيضاً

حافظ المرازي يكتب : هل الحل نصب تذكاري آخر في إسرائيل لشهدائنا؟!

التقيت مرة مع ضابط جيش متقاعد على عشاء بمنزل صديق مشترك في واشنطن، ودار الحديث …