ياسين أقطاي يكتب:انقلابات الجيل الجديد.. تونس والإمارات


يبدو أننا أمام طراز جديد من محاولات الانقلاب، ولدي الكثير من الأمثلة على ذلك: أحداث “جيزي بارك” (في ديسمبر 2013) والتي اقتربت على مرور ذكراها السابعة، كانت عبارة عن محاولة انقلاب مختلفة للغاية ومن نوع آخر. كانت مسألة شرحها للناس صعبة للغاية في تلك الأيام، سواء للديمقراطيين، أو المعارضين للسلطة الاستبدادية، أوالمسلم المعارض للرأسمالية. كانت أحداث جيزي بارك بالنسبة لهؤلاء حقًّا من حقوق الاحتجاج الديمقراطي في أسوأ الأحوال، أو شيئًا شبيهًا بالثورة في أحسنها. في طرازها الجديد، تتمظهر الانقلابات بالديمقراطية. أو بالاشتراك بثورة اشتراكية كالاشتراك بهدم تيار وحيد يقف بجانب المظلومين والمستضعفين يقاوم ضد الرأسمالية الدولية، ولطالما الانقلابات كانت تأتي من “اليسار”. أو كالرأسماليين المستعمرين الطامعين الذين نهبوا الدنيا وحولوها إلى خراب بعد أن يطغوا على كل شيء بكلماتهم وخطاباتهم البراقة يفتحون أعينهم الزائغة نحو ليحاربوا الكيان السياسي الوحيد في هذا العالم الذي يقف إلى جانب المظلومين.
قبل أحداث “جيزي بارك” بشهور، كانت حركة “تمرد” يتم طبخها في مصر لإغلاق الباب الذي فتح المحاولات في الشرق الأوسط لتأسيس حكومات تعتمد على الشعوب بعد 100 عام من العبودية. كانت حالة التمرد هذه في مصر شبيهة للغاية بأحداث جيزي بارك في تركيا، حيث الخطابات والتكتيكات والتعليقات الدولية هي نفسها في كلا المثالين. وكواحد تابع الحدثين في تلك الفترة، لا زلت أشعر حتى الآن بالدهشة من مستوى التشابه فيما بينهما. في ذلك الوقت حينما كنا نسأل عن حقيقة أهداف جيزي بارك، كان اليساريون يصفوننا بالمتآمرين، وهم يغضون أبصارهم عما أنتجته وأفرزته حركة تمرد في مصر. رأينا كيف لعبت عقلية منظمة جولن الإرهابية في اليساريين وجميع التيارات وأولئك الذين يبنون أحلامًا ضد الرأسمالية بصورة إسلامية. لا شك أن أحداث 17-25 ديسمبر (2013) كانت أخطر أشكال نماذج الانقلابات الحديثة، حيث لايمكن لأي سلطة في العالم أن تقف في وجه انقلاب يختبئ داخل تنظيم احتل السلطة القضائية وراح يتهم الحكومة بالفساد. هناك العديد من السلطات حول العالم لم يتمكنوا من الوقوف في وجه انقلابات من هذا النوع ينظمها القضاء، الذي يركبه أناس يظهرون أنفسهم أنهم السلطة الشرعية في البلاد. وحينما نتحدث عن “القضاء” فإن الذي نتحدث عنه ليس حقوقًا ولا عدالة، بل عبارة عن سلطة وقوة. بالنسبة لي أرى أن المهارة السياسية التي عززت قيادة أردوغان، لم تظهر بأجلى صورها في محاولة الانقلاب العسكري 15 يوليو 2016، بل بمحاولة الانقلاب القضائي “17-25” ديسمبر 2013، أي تلك الأحداث التي كان شيطان الانقلاب فيها قد لبس ثوب القضاء وسلطته. أما محاولة انقلاب 2016 في الواقع، فإنها كانت النموذج الأسوأ للانقلابات العسكرية التقليدية، والملجأ الأخير لمنظمة جولن الإرهابية ضد قيادة أردوغان، بعد أن عجزت المنظمة وفشلت في جميع محاولات انقلاباتها السابقة.
ينصب التفكير الانقلابي الآن على تجديد نفسه وإعادة أطروحاته لكن بطريقة أكثر فعالية من ذي قبل. واليوم يمكننا القول بأريحية، أن هذه العقلية لا يوجد لها فرص في تركيا، ولكن هذا لا يعني أن تلك العقلية انتهت أحلامها وخيالاتها. كما تلاحظون فإن الإمارات، بعد الانقلاب الذي نفذته في مصر، حاولت تكرار الشيء ذاته في قطر، ثم في اليمن ومن ثم ليبيا. وفي اللحظة التي كادت محاولات انقلابها تتم وتنجح في كل من قطر وليبيا، جاءت تركيا لتقف مانعًا دون ذلك، وتقضي على هوسها في تحقيق تلك الانقلابات. والآن يبدو أنها تبحث عما يسد جشعها في ساحات تونس، بمحاولة القيام بانقلاب من هذا النوع. بالطبع وكما نعلم لا يوجد جيش في تونس قابل للبيع، ليكون أداة لتنفيذ طموحات انقلاب الامارات. ولذلك السبب تجدهم يحاولون تطوير محاولة انقلاب جديدة من نوع آخر، يكون خاصًا بتونس ولا يمكن تطبيقه إلا في تونس… لكن مع نفس الهدف والطراز: الاستفادة من الثغرات السياسية، والوصول للنتيجة عبر منصات الإعلام والكيانات السياسية والبرلمان المنقسم. بالنسبة للوضع في تركيا، أعتقد أنه لا داعي للتذكير بأن الإمارات هي مع أي محاولة انقلابية يمكن أن تقع في تركيا. لقد سقط الآن القناع بأكمله، وتعرّت الإمارات وظهرت سوءاتها، وألاعيبها التي تحاول تمريرها في المنطقة، وفتنها التي تحاول زرعها هنا وهناك.


Comments

comments

شاهد أيضاً

ممدوح الولي يكتب :مظاهر الركود بالأسواق المصرية

حيث حدث انخفاض حاد فى حركة الشراء على مستوى البلاد، وسجل معدل الاستغناء عن الموظفين …