يحيى عقيل العقيل يكتب: الأخطر من اتفاقية ترسيم الحدود والتنازل عن الجزيرتين

ذهب الناس في أمر تنازل مصر عن ملكية الجزيرتين تيران وصنافير إلى المملكة العربية السعودية ما بين مجتهد يتعب نفسه ليثبت أن الجزر من الأصل سعودية وقد عادت إلى أهلها, وهو يبحث فقط عن إيجاد حالة من التوافق مع نفسه؛ فهو صاحب الصوت العالي دفاعا عن الوطنية والأرض, والمحارب لمحاولات التنازل عنها, فلما حدث ما حدث من نظامٍ هو منه ولا يستطيع إلا أن يتماهى معه ذهب إلى هذا الخيار،

 وآخر وجد فيها فرصة للنيل من النظام الحاكم وإثبات أنه غير وطني ويبيع الأرض مقابل المال لأنه فاشل, وبهذا هو يخون مصر ويفرط في كرامتها.

والحقيقة أن النَيل من النظام والرغبة في هدمه هي أساس تحرك الثاني بنسبة كبيرة, كما أن الأول كان تحركه قائما على فكرة دعم النظام وتثبيت أركانه.

فالحالة هي حالة تدافع مستمر منذ الانقلاب إلى اليوم؛ محورها ثورة يناير أو العودة إلى النظام العسكري الذي تعيش في ظله فئات آمنة مستفيدة واُخرى تعيش في أقبية السجون, وشعب ينتحر تحت خط الفقر, وفي المجمل ضاعت الجزيرتان وانتقلتا للجار السعودي وانتقل المضيق من التبعية المصرية إلى التبعية الدولية بما يعني شراكة إسرائيلية!

هذا هو المشهد, لكن الحقيقة أن الخطورة ليست هنا، فإذا كانت الإرادتان المصرية والسعودية قد اجتمعتا على أن الجزر سعودية كان يمكن اخراج ذلك بشكل يحترم عقول المصريين ولا يجرح كرامتهم, وذلك بالذهاب إلى تحكيم دولي صوري أو الإعلان عن تشكيل محكمين من الجامعة العربية أو لجنة حكماء من الدولتين يصدر عن أيها تقرير يقول بأن الجزر سعودية وتقبل به مصر وهكذا، ويذهب السيسي ليعرض الأمر على الشعب في استفتاء نتيجته ٩٧٪ بقبول نتيجة التحكيم, وبعد ذلك تتم موافقة البرلمان, وبذلك يكون قد احترم الدستور, ورد الأمر للشعب, وذهبت الجزر للسعودية وهذا لن يكلف كثيرًا, وستموله السعودية ولن يستغرق وقتًا.  

فهل غاب ذلك عن عباس كامل ورجالات السيسي؟

الإجابة لا، لكنها ستكون سابقة, فإن أراد أن يتنازل عن أي أراض بعد ذلك عليه أن يقوم بذات الإجراءات وان يلتزم مسارا دستوريا في ما هو قادم. هنا تكون المشكلة أن القادم قد يكون أكثر فجاجة،

وهنا رسالة إلى الخارج تقول إن السيسي يستطيع أن يسير في إجراءات تنازل وتسويات؛ عجز عنها كل من جاء قبله.. هنا تكون قيمة هذا النظام لإسرائيل والمحيط الدولي في جاهزيته للتفاعل في الحل النهائي للقضية الإسرائيلية وتنفيذ فكرة التنازل عن أراض مصرية كوطن بديل للفلسطينيين, يقبل به من يقبل, ويهجر قسريا إليه من يهجر, وينتهي الكابوس الإسرائيلي لتكون إسرائيل دولةً خالصة لليهود دونما طعن أو سكاكين، فيعرفون قيمة الكنز الموجود الآن بالنسبة لهم, ويتضح أن مبارك كان كنزًا “صينيًا”! وهنا رسالة للشعب المصري أن اثبتوا في هذه الوضعيات؛ قسم يدافع, وقسم يهاجم, ولا تنتقلوا إلى مربع عملي تتفقون فيه على شئ غير قابل للاختلاف في أي عرف.

ومن قبل التنازل عن الجزر سيقبل رغما عنه (حتى من باب عدم ظهوره بمنظر المنهزم أو المفرط أمام نفسه) التنازل عن أراض أخرى؛ فكلها أرض, والآخر سيكون دفاعه فقط لأنه يريد أن يسقط السيسي ونظامه, وحالة من تبادل الاتهامات وتكون مأساوية النهاية لشعب يتناحر, ووطن تهدر كرامته, وتباع أراضيه, في حين يكيل آبناؤه التهم والتخوين كل إلى الاخر.

هذا هو الاخطر في مشهد التنازل عن الجزيرتين؛ تجهيز النفوس وعمل سيناريو مصغر للتنازل الأكبر عن أراضٍ أكبر وأهم وأخطر على مصر وعلى فلسطين, ليكون كل شئ في النهاية يَصْب لصالح اسرائيل، فقد أصبحت في الأولى شريكًا في الممر المائي, وفي الثانية تكون حلت مشكلتها الأم, ورحّلت الفلسطينيين إلى وطن بديل وحققت يهودية دولتها, وضاعت سيناء؛ من الجنوب الجزر, ومن الشمال فقط ٢٥٠٠كم مربع!! وفيها ايه يا مصريين .. المهم نبقى كده!!

كده هي المأساة التي يقود اللسيسي مصر إليها

وهذا هو الأخطر في المشهد كله.

شاهد أيضاً

د. عزالدين الكومي يكتب : “البابا تواضروس .. والاعتراف بالعمالة”

لم تفاجئني تصريحات بابا الكنيسة المصرية”تواضروس”التي قال فيها “أنه أقنع رئيسة المفوضية الأوروبية بضرورة إسقاط …