يحيى عقيل يكتب: سيناء .. وكيف تعاملت معها أنظمة الحكم العسكرية

وصف محمد حسنين هيكل سيناء عندما فقدتها مصر بعد نكسة ١٩٦٧ بفعل خيانات العسكر قائلا (ماذا فقدنا؟ أرض صحراء ومجموعة من البدو والإبل) هكذا .. شئ هين!!. هو تعبير عن ضمير وفكر هذه المجموعة التي تحكم من العسكر وأشياعهم من الإعلاميين والمطبلاتية, وهو منهج مخابراتي يتم التعامل به مع كل الملفات المطلوب إهمالها أو العبث فيها, خاصة إذا كانت من الملفات ذات الوزن الثقيل التي تمس الأمن القومي للبلاد المنكوبة بحكم العسكر. هكذا تم تبرير الهزيمة وضياع سيناء.

ثم جاء السادات وبعد أن تحقق نصر على الأرض – أيا كان وزنه في ميزان المعارك الحربية, إلا أنه كان نصرا- تعامل السادات مع سيناء بنفس الطريقة؛ فقَبِلَ أن تكون منزوعة السلاح عمليا ووافق على أن تظل خالية من الإعمار، فلم يقم من حيث الواقع العملي بشئ يذكر في تعمير سيناء بل تخلى عن خط السكة الحديد الذي كان يربط مدينة العريش بالقنطرة ومنه إلى الإسماعيلية, وظلت سيناء معزولة يتم المرور إليها عبر معديات مع إجراءات شديدة أقرب ما تكون إلى إجراءات عبور دولي.

ثم جاء مبارك فوعد في خطابه المشهور في احتفالية عودة طابا بنقل ثلاثة ملايين مواطن إلى سيناء، ومرت السنون تترى دون أن يتغير في الواقع شئ فى اتجاه التعمير الحقيقي غير أنه حول جنوب سيناء إلى منتجع خاص به وبالسياح الأجانب حتى كان دخول المصريين إليها يحتاج إلى إجراءات استثنائية بمعنى الكلمة، وفي ذات الوقت سمح للاسرائيليين بدخولها بالبطاقة الشخصية، واستلزم ذلك أن تتم بعض التحسينات على الطرق وإنشاء الكوبري العلوي على قناة السويس وقبله نفق الشهيد أحمد حمدي، لكن ظلت فكرة إحداث حالة إعمار حقيقية غائبة, وذلك لأنها كانت ضمن تفاهمات العسكر وإسرائيل السرية، ومع ذلك تشويه متعمد لصورة أبناء سيناء، فهم الذين أخذوا السلاح مقابل الماء من الجنود المصريين, وهم تجار المخدرات والمهربين, وهم الذين لهم علاقات باليهود, وهم أخيراً مأوى الاٍرهاب والارهابيين.

واستمرت حالة التشويه وتعمد التجهيل بسيناء؛ بشرًا وتاريخًا وجغرافيا، فلا ذكر إلا مع أعياد التحرير، حيث تغني شادية: “سينا رجعت كاملة لينا ومصر اليوم في عيد”!

هذا هو تعامل أنظمة حكم العسكر مع سيناء من عهد عبد الناصر إلى مبارك, حتى خرجت الأمور عن سياقها بعد الثورة, وخفت قبضة الدولة الأمنية عن المنطقة ونشطت تجارة الأنفاق مع غزة حتى صارت أقرب إلى الشكل الرسمي منها إلى أعمال التهريب، وساهم التبادل التجاري مع غزة في تحسين الوضع الاقتصادي لمنطقة الحدود الذي انعكس بدوره على معدلات البناء واستصلاح الأراضي, بمعنى الإعمار في مجمله.

وجاءت فترة مرسي بمشروع إعمار مستقل بلغت كلفته التخطيطية الخمسة مليارات جنيه في العام الأول من الخطة، وجعل مشروع تنمية قناة السويس عَصّب المشروع الرئاسي والذي يقوم بمجمله في شرق القناة (في سيناء التاريخية ) والتخطيط لإقامة مدينة الإسماعيلية الجديدة أيضا شرق القناة والتخطيط لاستيعابها ثلاثة ملايين مواطن، بالإضافة إلى بقية المشروع، وبذلك خرجت سيناء عن الخطة المقررة لها التي حافظ عليه العسكر ستين عاما، وظهر أن استمرار مرسي سيكون معوقا في طريق العودة بسيناء إلى إطار الاتفاق الإسرائيلي، وقد تخرج سيناء من حالة الفراغ إلى الإعمار والحياة، فكانت مؤامرة العسكر والانقلاب على الشرعية ثم بدء إجراءات تجريف الأرض والقضاء على أي شكل للتنمية فيها والعودة بسيناء إلى المربع رقم صفر.

هذه هي سياسة العسكر واتفاقاتهم حول سيناء.

شاهد أيضاً

عبد الباري عطوان يكتب : ظاهرة حرق القرآن الكريم وحُريّة التعبير.. أُكذوبةٌ كبيرة

“حُريّة التعبير” التي يتم استخدامها على نطاقٍ واسع هذه الأيّام في العالم الغربيّ كذريعةٍ لحَرقِ …