هذه الشعيرة الكريمة هي في أصلها تشبه بأبي الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، حين فدى الله ولده سيدنا إسماعيل من الذبح بكبش عظيم أنزله إليه فذبحه الخليل بيده؛ ليكون ذلك تصديقا لرؤياه، وذلك في قصة الذبح المعروفة المشهورة.
وقد داوم النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الشعيرة الكريمة وحث عليها إعلانًا بالشكر لله على نعمه، وتوسعة ومواساة للفقراء والمساكين، وتقربًا مخلصًا لله رب العالمين، على حد قول الله تعالى ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ (الحج :37).
والأضحية من أفضل القربات وأعظم الشعائر التي يمارسها المسلم في أيام العيد الأكبر، إعلانًا بشكر نعمة الله وامتثالاً لأمر الله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾.
وقد روي في فضلها آثارٌ حِسانٌ، منها ما أخرجه ابن عبد البر والخطيب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” مَا مِنْ نَفَقَةٍ بَعْدَ صِلَةِ الرَّحِمِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ”.
وأخرج عبد الرزاق وابن عبد البر عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا أيها الناس ضَحُّوا وطِيبوا أنْفُسًا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “مَا مِنْ عَبْدٍ تَوَجَّهَ بِأُضْحِيَتِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ إِلا كَانَ دَمُهَا وَفَرْثُهَا وَصُوفُهَا حَسَنَاتٍ مُحْضَرَاتٍ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الدَّمَ وَإِنْ وَقَعَ فِي التُّرَابِ فَإِنَّمَا يَقَعُ فِي حِرْزِ اللهِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”.
وأخرج الترمذي وحسنه عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:”مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلافِهَا وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنْ الأرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا”.
فهل أعددت نفسك وميزانيتك لأداء هذه الشعيرة الكريمة على الوجه الأكمل، فاخترت أفضلَ الأضاحي وأسمنَها وأغلاها وأنفسَها، كما كان حبيبك صلى الله عليه وسلم يفعل؟
أخرج الشيخان عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ (وفي رواية: أَقْرَنَيْنِ) فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ.
وفي لفظ لمسلم: وَيَقُولُ: بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ.
وعند ابن ماجة وأحمد عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ اشْتَرَى كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، فَذَبَحَ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ لِمَنْ شَهِدَ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْبَلاغِ، وَذَبَحَ الآخَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَعَنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
وكذا روى أبو داود عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مُوجَأَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: “إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ ذَبَحَ”.
أسأل الله العظيم أن يتقبل نسكنا وأن يغفر ذنوبنا إنه جواد كريم.
وأخيرًا..
أسوق إليك أخي الكريم هذه النصائح الغالية التي رُويت عن هادي البشرية صلى الله عليه وسلم: “اطلبوا الخير دهركم، واهربوا من النار جهدكم، فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها، وإن الآخرة محففة بالمكاره، وإن الدنيا محففة باللذات والشهوات، فلا تلهينكم شهوات الدنيا ولذاتها عن الآخرة، إنه لا دنيا لمن لا آخرة له، ولا آخرة لمن لا دنيا له، إن الله قد أبلغ في المعذرة وبلغ الموعظة، إن الله قد أحل كثيرًا طيبًا لكم فيه سعة، وحرم خبيثًا فاجتنبوا ما حرم عليكم، وأطيعوا الله فإنه لن يحل الله شيئًا حرمه ولن يحرم شيئًا أحله، وإنه من ترك الحرام وأكل الحلال أطاع الرحمن، واستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، واجتمعت له الدنيا والآخرة، هذا لمن أطاع الله عز وجل”.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات