“إضعاف هيبة الدولة”.. ذريعة لوأد البدايات المتواضعة لانتقاد السلطة في سوريا

شهد المجتمع العربي عموماً تطورًا في التعاطي مع الشأن السياسي والاجتماعي والثقافي وكافة ألوان المعرفة بسبب التقدم والتنوع  في وسائل الاتصال الاجتماعي؛ “السوشيال ميديا”، لكن في المقابل تسعى دوائر سياسية وقانونية لوأد هذه الحيوية التي دبت في جسد أبناء الأمة عبر تشريع قوانين وإصدار مراسيم وتعميمات, أو حتى قرارات سرية للنيل من حرية الحق في المعرفة, وتقييد الباجثين عن الحقيقة.

وفي سوريا لم يسلم الصحفيون السوريون؛ معارضين كانوا أم موالين من استبداد النظام السوري وملاحقة أجهزته الأمنية، وتقويض حرية الصحافة، رغم أن الدستور السوري تنص المادة 42 منه على أنه لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية, بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى،  كما نصت المادة 34 على أن الدولة تكفل حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون.
بيد أنه مع القرار الصادر في 5 مايو الحالي، عن وزير العدل هشام الشعار بناءً على كتاب من رئيس مجلس الوزراء، أصبح لدى وزارة العدل الحق باعتقال أي صحفي ينتقد أداء حكومة النظام السوري، بتهمة إضعاف هيبة الدولة والانتماء الوطني لدى المواطنين.
وحسب وثيقة حديثة مصورة ومسربة للقرار الصادر عن وزارة العدل، جاء فيه “جواباً على كتابكم المتضمن العمل على اعداد مذكرة تفصيلية حول ما تتناوله بعض الوسائل الإعلامية الخاصة وبعض الإعلاميين في الاعلام الرسمي من قضايا ومواضيع تستهدف العمل الحكومي وتساهم في إضعاف هيبة الدولة والانتماء الوطني لدى المواطنين يرجى التعميم على وزارات الدولة كافة وموافاة وزارة العدل بالمواضيع الصحافية المتعلقة بالموضوع الآنف ذكره ليصار إلى معالجتها وفقا للأنظمة والقوانين النافذة.”
الصحفيون السوريون اعتبروا أن هذا الكتاب يحمل تخطيطاً من الحكومة للتضييق عليهم في إطار عملهم ويحمل نوايا حكومية لمنعهم من تناول أعمال الحكومة وتقصيرها وأن وزارة العدل ستكون رأس الحربة في هذا الأمر, علماً أن كتاب وزير العدل جاء رداً على كتاب سابق من رئيس الحكومة بتاريخ 20- 4- 2017 يطلب فيه من وزير العدل إعداد مذكرة تفصيلية حول ما تتناوله بعض الوسائل الإعلامية وبعض الإعلاميين في الإعلام الرسمي من قضايا ومواضيع تستهدف العمل الحكومي وتساهم في إضعاف هيبة الدولة والانتماء الوطني لدى المواطنين. ولم يُعرف ما إذا كان هذا الكتاب المسرب قد جرى تسريبه من وزارة العدل أم من مكتب رئيس الحكومة عماد خميس.
ووفق المادة 43 من الدستور السوري؛ تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام واستقلاليتها وفقاً للقانون.

ورأى إعلاميون أن ربط استهداف الحكومة ووزرائها إعلامياً باعتباره استهدافًأ للدولة أمر خطير.
وكتب أحد الصحفيين الموالين لنظام بشار على صفحته على «فيسبوك»، «أحبائي في الحكومة الموقرة اتخذوا ما شئتم من إجراءات فمجرد أن يقوم جميع الزملاء بنشر كتابكم «الأصفر» فهو دليل إفلاس لكم ولكتبكم ولإجراءاتكم… فلو أسكتم الصحافيين لن تُسكتوا شعباً هو الانتماء الوطني وهو هيبة الدولة وهو الدولة… والفاسدون منكم والفاشلون منكم والخائنون منكم من أضعفها وأوهنها وأوصلنا لما نحن عليه».
وكتب إعلامي سوري على صفحته في «فيسبوك»، «هيبة الإعلام هي التي تصنع هيبة الدولة يا دولة رئيس الوزراء خميس. وزير العدل السوري الذي يفترض أنه حارس للعدل والعدالة يدوس على العدل والعدالة ويقمع ويحارب من يطالب بها. وزير العدل السوري، وتجاوباً مع طلب رئيس الوزراء، يلاقي الإعلام المعادي ويعطيه الدليل القاطع الذي يبحث عنه منذ سنوات، على أن الدولة تكمم الأفواه وتقمع الحريات وتحارب الإعلام الحر وتلاحق منتقدي الفساد من الإعلاميين والصحافيين».
القرار اعتبره حتى المواليت للنظام السوري بمثابة تسليط سكين المخابرات على رقاب المدنيين وإمعاناً في كتم أفواههم بالرغم من ظروف الحرب التي يعيشونها، فيما كتب منذر حمد «وهل تعتبر سرقة المال العام واحتكارات المواد التموينية ورفع الاسعار والتضييق على الناس والتنغيص عليهم مساهمات جبارة في تقوية هيبة الدولة؟» وعقب منذر إبراهيم «مو جديدة ليش الدولة ضل الها هيبة لحتى نضعفها؟ العصابات بالشوارع والقتل والجريمة بكل ساعة والفساد مستشري والأجهزة الأمنية مشغولة بجباية الاموال وابداع طرق للاستفادة. ضيعانك يا وطن شو فيك منافقين وخونة».

منصة تبحث تحديات السوشيال ميديا

إلى ذلك أجمع عدد من خبراء وقادة العمل الإعلامي خلال «ملتقى الإعلام المحترف في زمن وسائل التواصل الاجتماعي» بالجارة الأردنية على أن الإعلام المحترف يواجه تحديات ومخاطر تهدد مستقبله أمام انتشار منصات ووسائل التواصل الاجتماعي.

ولفت رئيس تحرير قناة ” العربية” نبيل الخطيب, إلى أن «التكنولوجيا أتاحت الفرصة لتغيير جوهري في الإعلام وأدت إلى تغيير جوهري في اقتصاديات الإعلام، وأن « السوشيال ميديا» باتت تلتهم الحصة الإعلانية الأكبر مما أثر على اقتصاديات مؤسسات الإعلام المحترف».

وأكد ظهور انحسار في مشاهدة وسائل الإعلام المحترفة مقابل تفاعل الجمهور مع منصات التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن الشكل الجديد للإعلام هو ممن ينتجون المحتوى من الجمهور بغض النظر عن الوسيلة التي تنشرهذا المحتوى.
وقال بأن «غرف الأخبار في التلفزيونات والمحطات الفضائية لم تعد كالسابق, وتحولت إلى غرف لإنتاج المحتوى بأشكال متعددة», مشيراً إلى أن «بعض وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت رافداً للإعلام المحترف».
ونوه إلى أن الذكاء الاصطناعي سينعكس مستقبلاً على وسائل الإعلام، مبيناً أن جمهوراً كبيراً من جيل الشباب هجر التلفزيون وتوجه إلى «السوشيال ميديا»، لافتاً أن الإعلام الحكومي المفروض لديه فرصة أكثر من أي إعلام آخر لأن لديه مصدر المعلومات والأخبار.

وعبر رئيس مجلس إدارة صحيفة “الرأي” اليومية؛ رمضان الرواشدة عن اعتقاده بأن الصحافة المحترفة ستضمحل شيئاً فشيئاً أمام الكم الهائل من وسائل الإعلام الاجتماعي، مشيراً إلى «أن وسائل الإعلام المختلفة يجب أن تكون متنوعة ورقياً وإلكترونياً ومرئياً».
وذكر أن إيرادات الصحف المطبوعة من الإعلانات التجارية تراجعت نتيجة توجه المعلنين إلى شبكات ومواقع « السوشيال ميديا»، مطالباً بخلق جيل جديد من الإعلاميين لمواكبة التطور في الواقع الإعلامي، من خلال إعادة بناء مناهج تدريس الإعلام في كليات الإعلام لتركز على تدريس تكنولوجيا الاتصالات الحديثة والوسائط المتعددة.

وعبرت الإعلامية عروب الصبح عن رأيها بقولها: مواقع التواصل الاجتماعي خلقت أشخاصاً أصبحوا مؤثرين واستقطبتهم بعض مؤسسات الإعلام التقليدي، لافتة أن المُتَلَقْي أصبح ذكياً ويستطيع المقارنة بين الخطأ والصواب وسط الكم الهائل من المعلومات التي ترده.
وقالت إن «المحتوى التفاعلي يحمل رسائل سياسية واجتماعية وما حصل من تأثير في بداية الربيع العربي دليل على ذلك».

 
وقال ناشر موقع JO24 باسل العكور إن «استخدام كلمة الإعلام المحترف مفهوم فضفاض، والأصلح أن نقول إن هناك إعلام تقليدي «ثقيل» وهناك إعلام إلكتروني وهو إعلام بديل، وفي الوقت ذاته هناك وسائل التواصل الاجتماعي مؤكداً أن هذه المنصات للتواصل الاجتماعي جزء لا يتجزأ من منظومة الإعلام ومكملة له».
ونبه إلى أنه من غير المقبول أن تدافع وسائل الاعلام التقليدية عن نفسها باتهام وسائل التواصل الاجتماعي بأنها سطحية وتخلو من المحتوى مشددا على أن «السوشيال ميديا» هي المنصات والأدوات التي أحدثت التغيير ووسعت مساحات الحريات.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …