علامات أونلاين

إيران في العراق .. لدعم أمريكا أم للتمكين للهلال الشيعي؟

في تصريح صحفي منسوب لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي أيه) مايكل بومبيو، أكد أن تهديد إيران وتعدياتها زادت بعد الاتفاق النووي الذي وقعه الغرب معها منتصف ٢٠١٥، مشيراً إلى أن طهران «تقترب اليوم من تحقيق الهلال الشيعي الذي لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة».

إلى ذلك، فسّر خبراء الضربة الأمركية لسورية بصواريخ توم هوك، وأفغانستان بـ «أم القنابل»، بأنه «استعراض للقوة الأمريكية، ورسالة إلى كل من إيران وروسيا وكوريا الشمالية تفيد بأن واشنطن «جدّية في استخدام القوة لمنع الانتشار الكيماوي، وحماية مصالحها».

ورأوا أن ترامب يترك بخلاف سلفه باراك أوباما هامشاً كبيراً للجيش الأمريكي للتحرك، ويثق بشكل كبير في وزير الدفاع جايمس ماتيس الذي أنهى جولة له في الشرق الأوسط زار خلالها السعودية ومصر واسرائيل وقطر وجيبوتي، قيل عنها إنها تستهدف «رص التحالفات العسكرية ومواجهة مخاطر زعزعة الاستقرار، اضافة إلى محاربة الإرهاب».

كي نفهم نظرة الأمريكان إلى إيران لابد من قراءة خريطة نفوذ إيران في العراق. رسميا لا تملك إيران في العراق سوى 95 مستشارًا عسكريًا، بالمقارنة مع قوة أمريكا المكونة من حوالي 5800 جندي، والعديد من القواعد العسكرية الكبيرة, والسيطرة على السماء، لكن في الواقع، يرى البعض أنّ القوات الإيرانية في العراق تفوق عدد قوات الولايات المتحدة على الأقل بخمسة إلى واحد, بحسب تقرير لمجلة إيكونوميست ترجمه موقع “الخليج الجديد” .
فاليد الخفية لإيران موجودة في كل مكان، وتذكر إحدى مسؤولات الأمم المتحدة كيف فوجئت بعد زيارتها لمحافظة قريبة من الحدود الإيرانية بأنّ الجنرال «قاسم سليماني»، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، كان موجودًا في نفس التوقيت.
ويقول «هاشم الهاشمي»، وهو محلل أمني عراقي في بغداد: «الأمريكيون أكثر قوة، لكن الإيرانيين أكثر خطورة، لقد اخترقوا كل جهاز من أجهزة الدولة».
لقد كانت تدخلاتهم في العراق مستمرة في عملية صنع القرار، وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، قام رجال الدين الإيرانيين بتجنيد الشيعة المنفيين الذين طردهم «صدام حسين»، وفي الثمانينات، قاموا بإرسالهم إلى المعركة ضد العراق، وعندما أطاحت أمريكا بصدام عام 2003، عاد هؤلاء من إيران إلى بغداد لملء الفراغ الذي خلفه حزب البعث الذي حظره الأمريكيون.
وبعد انسحاب أمريكا عام 2011 وصعود تنظيم الدولة على حساب الجيش العراقي بعد ثلاث سنوات، والاستيلاء على أكثر من ثلث البلاد، وفّر ذلك المزيد من الفرص لإيران، ومع ارتفاع عدد الجهاديين السنة، أعلنت ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية قبول عشرات الآلاف من المتطوعين، وبمساعدة الأسلحة التي قدمها الجنرال «سليماني»، أوقفوا سقوط بغداد، وبعد ذلك، وبحجة الدفاع عن البلاد، قاموا بالسيطرة الفعالة على الكثير مما تبقى منها.
وتستمر عمليات الاستيلاء على المناطق، وفي مارس الماضي، انتقلت عصائب أهل الحق؛ إحدى أكبر الميليشيات، إلى قصر ساجدة، زوجة «صدام حسين»، في الأدهمية، وهو حي سني في بغداد، وقد تم تقسيم الكثير من باقي نزاحي العاصمة على 100 من الميليشيات الأخرى.
وخلافًا لمعظم الشيعة العراقيين الذين يعلنون الولاء لآية الله علي السيستاني، في مدينة النجف، يقول العديد من قادة الميليشيات إنهم يتبعون المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ويسير رجالهم في دوريات في شوارع بغداد كشرطة دينية، كما هو الحال مع ميليشيا الباسيج الإيرانية، وكان نفوذهم وراء حظر الكحول على مستوى البلاد في العام الماضي.
ولدى العديد من الميليشيات ممثلون سياسيون في البرلمان، وقد تتضافر لتشكيل كتلة حاسمة لإيران في انتخابات عام 2018، ولا يزال هادي العامري، زعيم فيلق بدر، أكبر الجماعات المسلحة الشيعية (يُزعَم أنّها تتكون من 20 ألف رجل)، يعطي الأوامر باللغة الفارسية، وهو صديق للجنرال سليماني، كما أنّه يتبع خامنئي، على الرغم من أنّه يقول إن رجاله أحرار في الاختيار.

عراقيون أولًا أم شيعة أولًا؟
مع ذلك، فإنّ الفوائد العملية المتمثلة في التقيد بإيران، تتضاءل بسبب وجود درجة من القومية العراقية (والعربية). وكما يقول العامري، فإنّ العراق بلدٌ متعدد الديانات، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان اعتماد نظام الحكم الشيعي وفقًا لإيران.
وتتعهد جماعات مسلحة أخرى بمزيد من التأييد لمنع إيران من بدء محاولة للسيطرة على النجف عندما يموت السيستاني، ويساعد وجود الأمريكان بالجوار على تقليل الاعتماد على الجيران مفرطي التدخل، وعندما أرسلت أمريكا قواتها إلى العراق للمساعدة في مكافحة تنظيم الدولة عام 2014، رحبت معظم الميليشيات بتلك الخطوة.
وإلى هذه اللحظة أيضًا، امتثلت كتائب الحشد الشعبي لأوامر التوقف عن عملية استعادة الموصل لصالح القوات الخاصة التي تتدرب وتعمل مع مستشارين أمريكيين، وليس إيرانيين.
وقد سمحوا بتولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء العراقية كرجل ذو ميول أقل بكثير تجاه إيران من سلفه؛ نوري المالكي، والاعتماد على مكاسب ساحة المعركة.
وفي مقابل رواتبهم والاعتراف الرسمي بهم كجزء من القوات المسلحة، يقول قادة الحشد الشعبي إنّهم سيتقيدون بأوامر الحكومة.
وقد نكسوا الرايات الإيرانية التي ملأت ساحات بغداد عندما بدأت التعبئة الشعبية، ومع اندفاعهم بعيدًا عن معاقل الشيعة، فقد أصبحت ميليشيا الحشد أكثر شمولًا، وتضم عشرات الآلاف من السنة والمسيحيين واليزيديين.
وأصبحت الحكومة وداعمها الأمريكي يميلون لقوات أقرب إلى العرب من إيران، وقد قاومت الحكومة الضغوط الإيرانية لدخول الإيرانيين العراق بدون تأشيرة في نوفمبر الماضي، وأعاد المسؤولون حجاج النجف الذين لم يحصلوا على تصاريح، ورحبوا بالطائرة السعودية الأولى التي تجلب شيعة سعوديين إلى المدينة. وفي فبراير الماضي، زار وزير الخارجية السعودي بغداد للمرة الأولى منذ 27 عامًا، وذهب وفدٌ عراقيٌ إلى الرياض للتفاوض على إعادة التجارة عبر الحدود.
ولكن بعد التحالف التكتيكي في معركة الموصل، يتساءل جميع الأطراف عن مدى استمرار التقارب، وبعد إعادة بناء أربع قواعد كبيرة، لا تُظهر أمريكا أي علامة على نيتها مغادرة العراق.
ويتحدث رجال «العبادي» عن وجود لسنوات عديدة، وعند عودته من رحلته إلى واشنطن في مارس، كشف النقاب عن خطط لتسريح نصف قوات الحشد، بالإضافة إلى دمج ما تبقى مباشرةً تحت قيادة الجيش. ومما يثير القلق، أنّ إيران أرسلت سفيرًا جديدًا إلى بغداد، هو مستشار كبير للجنرال «سليماني». وتنتشر مقاطع الفيديو الدعائية الإيرانية، تهدد بتجديد الهجمات على القواعد الأمريكية.
وتعلن بعض الميليشيات مرةً أخرى عن معاداة الأمريكيين، وقال قاسم مصلح الذي يقود كتائب “علي أكبر” في مدينة كربلاء: «إنّ الاحتلال الأمريكي مقبول من قبل الحكومة وليس الشعب»، وهو يرى إيران، وليس أمريكا، كضامنٍ، في نهاية المطاف، للاستقرار في العراق، وتعدّ العراق، مثل سوريا، مسرحا هاما يحتاج ترامب فيه بشدة لأن تكون له سياسة واضحة.

Exit mobile version