كان لوالدتي في بلاد الغربة أيام الدراسة صديقة قطرية كانت بمثابة الأخت والأهل لها، وكانت كلما استحثتها لزيارتها وإطالة المكوث قالت: أخاف أن أثقل عليكم, ثم تنشد بلهجتها الخليجية الجميلة: لا تكثر الدوس على الخلان ترى يملونك لا أنت ولدهم ولا طفل يربونك ربوك شهر شهرين والثالث يملونك وعلى الرغم من أن الغربة وافتقاد الوطن والأهل من الحالات التي يحتاج فيها المرء إلى زيادة جرعات الاقتراب والود إلا أن الإسلام كان دائما وسطا بين التطرفات والتجاذبات العاطفية, فنبهنا إلى أن «أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما» كما أن الإسلام أول من رسخ ثقافة المساحة الشخصية التي ينادي بها الغرب private space، وجعل أوقاتًا للزيارة وقواعد للاستئذان داخل البيت وخارجه حتى يبقى حبل الود ممتدا بين الناس دون أن تفسده كثرة التطفل والترداد أو اقتحام الخلوات والحرمات. وهذا لا يتنافى مع أن مشاعر الأخوة والصلة هي من أعظم ما يحث عليه الإسلام حتى أنه جعل صلة الرحم من أسباب زيادة الرزق وطول العمر، وجعل مكافأة الحب في الله منابر من نورٍ يوم القيامة، ولكن كل شيء بمقدار وقسط، والمحبة ليست فقط شعورا قلبيا ولكنها أيضا سلوك عملي لا يقتصر على لقاء الأجساد وتقابل الوجوه، فالدعاء بظهر الغيب زيارة وصلة، وحسن الذكر والذكرى زيارة وصلة، والخدمة وقضاء الحاجات زيارة وصلة، والذب عن العرض والسمعة صلة، والرسالة و”الايميل” والمكالمة الهاتفية كلها زيارة وصلة، والوسائل تتنوع وتتعدد بحسب العصر والزمان والمكان بين الأكثر والأقل حميمية. والثقافات بين الشرق والغرب مختلفة في تعريف المحبة والصلة والزيارة وظواهرها، وحتى في داخل الثقافة الواحدة هناك تباين، فبينما الثقافة الشعبية تقول إن «البعيد عن العين بعيد عن القلب» نجد الشاعر يؤكد أن البعد لا يغبر ما في القلب: لإن أخرت زيارتي عنكم لعذرٍ فإني في المودة أول فما الود تكرير الزيارة لكن على ما في القلوب المعول فيما يشترط آخر الرؤية والزيارة كدليل على المحبة وأن من يحب يحب معاينة الحبيب صباح مساء فيقول: وما زرتكم عمدًا ولكن ذا الهوى إلى حيث يهوى القلب تهوي به الرجل والثقافة الغربية تؤمن بالعكس تماما وأن الغياب والامتناع يشعل المحبة والأشواق ويوطد العلاقات, فيقول المثل الانجليزي absence makes the heart grow fonder وفي عالم يوصف بالجفاف العاطفي على كل مستويات العلاقات الإنسانية، كان جميلا أن أغيب عن الكتابة انشغالا بالعمل لأجد رسائل لأصدقاء وأحباء حرصوا على التواصل معي وإن كنت بعيدة، كان جميلا أن أغيب عدة أيام فيعدّ عليّ القراء أيام الغياب، ويتفقدونني بعدما طننت أنهم ملوني في الفترة الأخيرة لقدر ما أثقلتهم بالكتابة، ولكن الأحبة والأصدقاء والقراء بقوا على العهد والتواصل خلال تلك الأيام رسالة برسائل، ومددا وتعليقا ونصحا وإرشادا، وقد خفت أن الكتابة وفيها شيء من الوعظ قد تؤدي بالقارئ إلى الملل، وقد يصبح الكاتب وعاء فارغا إذا لم يملأ مكان ما يعطيه بالاستزادة من العلم والأدب والثقافة أو ينفذ ما ينصح به، فيصبح كما قال أحدهم كالمنخل يرسل أطيب ما فيه ويمسك الحثالة، وإذا كانت الكتابة بها شيء من الوعظ والتوجيه فالأولى بها التنويع وترقب المناسبات وتحين الفرص حتى يكون الأثر أكبر وأدوم, كقطرات الماء تنساب ببطء وعلى تؤدة, ولكنها تحفر الصخر، وقد اتبع رسول الله مع صحابته نفس الأسلوب فقال عبد الله بن مسعود: ” كان رسول الله يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا”, أي بين الحين والحين لأن القلب أسرع تقلبا من القدر إذا استجمع غليانا، فهو بحاجة أن يؤمن ساعة ويروح عن النفس ساعة أخرى دون خروج عن حدود الإيمان. لا بد أن الكاتب يتوجس دائما خوفا من ملل قراءه، فحتى الشمس كما قال الشاعر لو بقيت في الفلك دائمة لملها الناس من عرب ومن عجم، ومشكلة أن يملَّ القراء من الكاتب فهم بالنهاية رأس ماله، ولكن البحث عن الجِدة والجديد أمر مرهق، فالكتابة قد تحمل في طياتها جزءًا من الموهبة ولكنها أيضا علم وقراءة وإحاطة، وهذا قد يحتاج الى تفرغٍ وسعي دؤوب من الكاتب لتعلم المزيد لاعطاء الجديد لقراءه، فإن القارئ الذي يعطي الكاتب من وقته ليقرأ له، ومن ثقته ومن اعجابه أو حتى مخالفته يستحق من الكاتب الاحترام وبذل الجهد. محظوظون نحن بالأصدقاء والقرّاء الذين يسألون عنا كلما ابتعدنا, ويتفقدوننا إذا غبنا, ويحفظون لنا مكانا دائما في قلوبهم وذاكرتهم.. بمثلهم تحلو الحياة ولمثلهم ما زلنا نكتب.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات