عادت قضية الرق في موريتانيا ومعاناة الأرقاء من الفقر المدقع إلى الواجهة من جديد بعد أن عُرض هذا الملف المثير للجدل على المؤتمر الخامس والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف في دورته التي عقدها يوم السابع من يونيو الجاري.
وناقش المؤتمر تقرير فليب ألستون؛ مقرر الأمم المتحدة الخاص بقضايا الفقر المدقع وحقوق الإنسان الذي أعده بعد زيارته إلى موريتانيا من 2 حتى 11 مايو 2016.
وأكد ألستون في تقريره الذي فنده مندوبو الحكومة الموريتانية المشاركون في المؤتمر «أن على الحكومة الموريتانية أن تبذل جهوداً إضافية للوفاء بالتزاماتها المتعلقة بمكافحة آثار الرق، وأن تتجاوز مقاربة الصدقات والمعونات إلى مقاربة أخرى ترتكز على أن لكل موريتاني حقاً أساسياً في الماء والعلاج والتعليم والغذاء».
وقال «إن السكان المتحدرين من مجموعة الحراطين (أرقاء محررون) ومن مجموعات الزنوج، مغيبون من مواقع السلطة الحقيقية، كما أنهم محرومون من جوانب عدة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية مع أنهم، يمثلون أكثر من ثلثي السكان» مشيراً إلى أن «سياسات حرمان غير مرئية مطبقة عليهم».
تأييد لتقرير المفوض
وأكدت المنظمات الوطنية لحقوق الإنسان في موريتانيا عبر مداخلات مندوبيها في مؤتمر جنيف أن تقرير ألستون محايدٌ وأن اتصالات المبعوث الخاص التي أجراها لجمع المعلومات عن حالة الفقر، كانت طبيعية وعادية ومحايدة.
وقالت المنظمات الحقوقية إن زيارة فيليب ألستون الأخيرة لموريتانيا كانت مليئة بالدروس المهمة التي تستدعي الكثير من التعليقات.
وأضافت بعكس ما كان سائداً، فإن الممثل الخاص لم يكتف بالأجندة التي اقترحتها عليه السلطات الحكومية فوسع اتصالاته لتشمل منظمات غير موجهة من قبل الحكومة ولتشمل كذلك الاتصال المباشر بالسكان الواقعين ضحية للفقر وذلك من أجل أن يدون بنفسه ملاحظاته حول واقعهم بصورة مباشرة.
ودعت المنظمات المؤيدة للمبعوث الأممي الخاص شركاء موريتانيا لإيقاف التمالؤ مع الحكومة الذي يتجسد في استمرار العمل مع منظمات لا علاقة لها بالمجتمع المدني.
كما دعت الأممَ المتحدة إلى تحمل مسؤولياتها والتوقف عن تزكية المنظمات التابعة للحكومة عبر منحها لها صفة العضو المراقب في المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة.
ألستون منحاز
ورد على هذا الكلام ولد عبد المالك المفوض الحكومي الموريتاني لحقوق الإنسان والعمل الإنساني معددا جوانب من الطابع الانحيازي للخبير الأممي بينها الاختيار المتعمد للأماكن والمواقع التي تمت زيارتها والأشخاص الذين تمت مقابلتهم، والإحصائيات المغلوطة التي لا تستند إلى أي مصدر موثوق وخاصة ما يتعلق بمكونات المجتمع وسلم الفقر في الوسط الريفي.
وانتقد المفوض «تأكيدات فيليب ألستون المنحازة، للإقصاء المزعوم لشريحة الحراطين والافارقة السود من مواقع القرار والاستفادة من مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي يتناقض مع واقع البلاد، حيث يساهم كل المواطنين الموريتانيين من دون تمييز في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويعيشون في وئام وأمان».
عودة الورطة
وبهذه المشادات تعود ورطة أو «لعنة الرق» كما يسميها البعض لتلاحق موريتانيا من جديد، حيث بلغ الجدل حولها ذروته على صفحات التواصل وعبر القنوات الإذاعية والتلفزيونية، بين من ينفي وجود الرق ويؤكد أن الموجود إنما هو آثاره ومخلفاته، ومن يجزم بأن ممارسة العبودية قائمة في موريتانيا بأشكال عدة بينها «الرق العقاري».
ورغم تبنّي الحكومة العديد من الإجراءات القانونيّة التّي تلغي الرقّ وتجرّمه، إلاّ أنّ ذلك لم ينقذ موريتانيا من الورطة، حيث صنفت في المرتبة الأولى على رأس 162 دولة في العالم تنتشر فيها العبودية، حسب ما جاء في تقرير عن «مؤشر العبودية العالمية» صدر عن منظمة «ووك فري» سنة 2013.
خريطة طريق ولكن!
وقد صادقت الحكومة الموريتانية في مارس 2015 على خريطة طريق لمحاربة الاسترقاق والقضاء على مخلفاته في أفق عام 2016 وذلك بالتنسيق مع الأمم المتحدة، واشتملت الخريطة على 29 توصية تغطي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، والحقوقية، كما تشمل الجوانب التعليمية والمعرفية.
وفي المجال الاقتصادي والاجتماعي أوصت على تركيز الاستثمار في المناطق التي يعاني سكانها من الفقر وتدني مستوى الدخل بسبب تأثرهم تاريخيا بالاسترقاق، وذلك من خلال توفير البنى التحتية والخدمية، وتمويل المشاريع المدرة للدخل وخلق نشاطات اقتصادية في محيط الفقراء من أبناء هذه الشريحة.
وفي المجال القانوني والحقوقي أوصت الخريطة بمراجعة النصوص القانونية المتعلقة بتجريم الاستعباد وتضمينها تغريم من تثبت عليه ممارسته وإلزامه بالتعويض للضحية، فضلا عن تكوين القضاة في مجال التعاطي مع قضايا الرق، وتقديم المؤازرة القانونية للمستعبدين من خلال توكيل محامين للدفاع عنهم.
وفي مجال التعليم نصت على توفير التعليم وإلزاميته في المناطق التي يوجد فيها الأرقاء السابقون والتي تعرف محليا باسم «آدوابه» وتوفير الحضانات المدرسية فيها لتتولى إعاشة الأطفال وتحمل نفقات تعليمهم، إضافة إلى تقديم مساعدات مالية لآباء الأطفال مقابل السماح لأبنائهم بالالتحاق بمقاعد الدراسة.
تاريخ الرق
وقد شاعت في المجتمع الموريتاني ومنذ القدم ممارسة الاسترقاق بمختلف صوره، وساعدت في ذلك تركيبة المجتمع الفئوية وتنوع أعراقه بالإضافة إلى دوافع أخرى مختلفة ليس أقلها العامل الاقتصادي.
وبقيت الظاهرة مستمرة في مختلف مكونات المجتمع كسلوك وممارسة عند البعض وإن طغت عليها في مرحلة لاحقة الجوانب المتعلقة بالآثار والمخلفات، وهو ما يعود في جانب كبير منه إلى ضعف الدولة وهشاشة الوضع الاجتماعي حيث يطغى الولاء للقبيلة والجهة والأرومة على الولاء للوطن في أحيان كثيرة في ظل غياب إرادة حقيقية لحل المشكلة لدى الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم البلاد إذا ما استثنينا التعميم رقم 8 بتاريخ 05/12/1969 الذي أصدره وزير العدل الأسبق المعلوم ولد برهام في فترة حكم الرئيس الأسبق المختار ولد داده, القاضي بضرورة محاربة الممارسات الاسترقاقية، والأمر القانوني رقم (234-81) بتاريخ 9 نوفمبر1981 الصادر في عهد الرئيس الأسبق محمد خونه ولد هيداله القاضي بإلغاء الرق رغم أنه لم يصدر مرسوم مطبق له مما جعل تأثيره محدودا، وكذلك القانون رقم (048-2007) الذي صدر في عهد سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله والمتعلق بتجريم الممارسات الاسترقاقية، ولم تكن هذه الخطوات كافية.
العبودية الحديثة
ويعد موضوع الرق قضية حقوق إنسان تثير قلقاً دولياً واسع النطاق، ومع ذلك فإنه لا يزال مستمراً، وما زالت الممارسات الشبيهة بالرق مشكلة خطيرة ومتواصلة.
وتنص المادة 4 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه «لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده، ويُحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما».
وبعد مضي أكثر من قرنين على حظر العبودية، لا يزال نحو 30 مليون شخص على مستوى العالم يتعرضون لأشكال جديدة ومتنوعة من العبودية حسب مؤشر جديد يقوم بتصنيف 162 دولة.
والعبودية الحديثة هي جريمة معقدة، لها آثار مدمرة على أولئك الذين يعيشون في الرق، وعلى أسرهم والمجتمعات المحلية فضلا عن الاقتصادات المحلية والعالمية. وذكرت النسخة الأولى من تقرير أعدته مؤسسة «ووك فري فونديشين» الاسترالية التي تهتم بحقوق الإنسان بعنوان «مؤشر الرق العالمي» أن هايتي والهند ونيبال وموريتانيا وباكستان تضم أعلى معدل لانتشار الرق في العصر الحديث. أما من حيث الأعداد المطلقة، فإن أكبر عدد من الأشخاص الذين يتم استعبادهم موجود في الصين وإثيوبيا والهند ونيجيريا وباكستان. وفي الهند، يُعتقد أن ضحايا العبودية الحديثة يناهز الـ 14 مليون شخص.
ويذكر التقرير أن العبودية المعاصرة «غير مفهومة جيداً ولذلك تظل مستترة داخل المنازل والمجتمعات المحلية وأماكن العمل». وقالت جولنارا شاهينيان، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بأشكال الرق المعاصر، وأسبابه ونتائجه إن الرق المعاصر غالباً ما يحدث في المناطق التي يصعب الوصول إليها من الدولة أو ما يعتبر عالماً خاصاً، كما هو الحال في العبودية المنزلية.
وأضافت «في عالم اليوم، يأخذ الرق صوراً مختلفة كالاتجار بالبشر والعمل القسري والسخرة والعبودية… حيث يتم التحكم في هؤلاء الناس وإجبارهم على العمل ضد إرادتهم وكرامتهم ويتعرضون للحرمان من حقوقهم». وحسب تقرير «ووك فري فونديشين» تحتل موريتانيا المراتب الأولى في مؤشر العبودية في العالم، إذ لا يزال هناك حوالي 155.600 شخص في البلاد، أي حوالي 4 ٪ من السكان، يعيشون في ظل الرق وما يشمله من ممارسات شبيهة ببيع البشر، والزواج القسري، والاستعباد القائم على أساس النسب.
وللاستئصال الفعال للرق بجميع أشكاله، يجب معالجة أسبابه الجذرية مثل الفقر والاستعباد الاجتماعي وجميع أشكال التمييز.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات