شرارة نيران العتبة لم تتوقف, متجاهلة كون مركز الإطفاء الرئيسي في الجمهورية يتمركز في ذلك الحي الحيوي، بل إن كرة اللهب انطلقت لتحصد المنطقة التجارية، لتحيلها إلى رماد تذروه الرياح، لتشيد من جديد مدينة استثمارية يقطنها الأثرياء .. ولا عزاء لـ”الغلابة”.
“فتش عن المستفيد يظهر لك الجاني”؛ قاعدة يحفظها عن ظهر قلب طلبة العلوم الجنائية والمحققين في أنحاء العالم، ولا بأس من تطبيقها على حادثة حريق منطقة “الرويعي” بالعتبة، إذ إن إعلام المستفيد فضح الجاني بمنتهى السهولة، عندما استضاف اللواء محمد أيمن عبد التواب، نائب محافظ القاهرة للمنطقتين الشمالية والغربية، في مداخلة هاتفية على فضائية “صدى البلد”، وكشف عن خطة معدة قبل اندلاع الحريق لإخلاء منطقة الرويعي بالعتبة من الأنشطة التجارية؛ بزعم حل أزمة المرور!
الجنرال فضح الجنرال, وأضاف، إنهم يدرسون إخلاء هذه المنطقة من الباعة والأنشطة التجارية الموجودة فيها إلى مكان آخر أوسع؛ حتى يتحقق الأمن والسيولة المرورية لوسط البلد.
تصريحات نائب محافظ القاهرة تتزامن مع ما كشف عنه “شريف محمد”، أحد أصحاب المحال المتضررة في منطقة الرويعي بالعتبة، من رؤية شهود عيان من أهالي المنطقة لعدة أشخاص قاموا بإشعال النيران في فندق الأندلس ثم لاذوا بالفرار.
وقال شريف، خلال مداخلة هاتفية مع برنامج “90 دقيقة”، على فضائية “المحور”، مساء الإثنين، “إن عددا من الأشخاص دخلوا فندق الأندلس واعتدوا على أفراد الأمن، ورموا “بودرة” سريعة الاشتعال وولعوا فيها وجريوا”، مشيرا إلى محاولة بعض الأشخاص في بداية الأمر إطفاء الحريق، إلا أن النيران كانت تتزايد”.
يذكر أن الحريق اشتعل في الساعات الأولى من يوم الاثنين الماضي، فيما كانت جميع محال المنطقة “مغلقة”.
حريق متعمد!
هذه المعلومات والتصريحات أثارت تساؤلا كبيرا لدى عديد من المتابعين, هل تعمد نظام الانقلاب حرق منطقة العتبة لإخلائها؟!
الإجابة تأتي في ظل الملابسات المثيرة للجدل التي أحاطت بالحادث منذ اندلاع الشرارة الأولى للنيران.
الحريق الذى أتى على محتويات الحى التجاري بعدما التهم 4 عقارات كاملة وفندقا و200 محل ومخزن تجاري، وأسفر عن مقتل وإصابة قرابة 94 مصريا، مخلفا خسائر أولية قدرت بنحو 4 مليارات جنيه، احتاج إلى ساعات طويلة لإخماده على الرغم من موقعه الذى لا يبتعد سوى أمتار قليلة عن المقر الرئيسي للمطافئ فى مصر.
شهود العيان أكدوا فى رواية متماسكة أن سيارات الإطفاء التى تبعد أمتارا قلائل عن الحريق وصلت بعد قرابة ساعة كاملة من اشتعال النيران، إلا أنها تراصت دون تدخل للسيطرة على ألسنة اللهب –إلا واحدة- بعدما اكتشفت أنها لا تحمل كميه مياه كافية للتعامل، وهو ما أدى إلى امتداد النيران إلى المباني المجاورة خاصة وأن المخازن تحتوي على مواد سريعة الاشتعال.
براميل السيسي!
سيناريوهات الحريق تعدت عتبات رد الفعل الحكومي المتراخي، واختلفت الدوافع وراء السماح الرسمي للنيران بالتهام الحى التجاري بأكمله وإحالته إلى رماد على غرار المشهد الدرامي فى حلب، إلا أن تلك الأطروحات تصب جميعا فى خانة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي الذي تلاحقه اتهامات بالتواطؤ فى حريق العتبة.
رد فعل حكومة الانقلاب حول الحريق جاء متراخيا ولا يتناسب مع حجم المأساة التى ضربت ركنا حيويا من تجارة الجملة المصرية فى مقتل وهددت مئات الأسر بالتشرد، حيث خرجت محافظة القاهرة لترصد سيناريو الحريق، وتعدد على الهامش الفوائد المرجوة من وراء الكارثة.
اللواء محمد أيمن عبد التواب, نائب محافظ القاهرة للمنطقة الشمالية والغربية, برر التباطؤ فى إخماد النيران بالتأكيد على أن حريق منطقة العتبة نشب في منتصف الليل، وكان كبيرا للغاية، مشيرا إلى أن الحريق أثر على أحد الفنادق الموجودة بشارع الرويعي، بالإضافة إلى 3 عقارات أخرى بالشارع الخلفي له، وتمت الاستعانة بفرق الإطفاء التابعة للقوات المسلحة نظرا لضخامة الحريق!
يا كفره ..!
ومع رد الفعل حكومة الانقلاب المتراخي والتعامل المتباطئ مع الحريق، نفى صاحب أحد المصانع المنكوبة فى منطقة العتبة وسط القاهرة جراء الحريق الهائل، كافة الاجتهادات الأولية والاحتمالات المبدئية التى وضعتها أجهزة الدولة لتبرير الحريق، مشددا على أن الحريق متعمد من أجل إخلاء الحي من التجار وتهجير الأهالي على غرار ما يحدث فى سيناء.
وأكد الناشط عماد فؤاد؛ أحد شهود العيان على الحريق وصاحب مصنع ملابس بالرويعي؛ على تورط حكومة عبدالفتاح السيسي فى اندلاع الحريق والتباطؤ فى عمليات الإطفاء على الرغم من تواجد مقر الدفاع المدني المركزى على بُعد أمتار قلائل، من أجل إخلاء المنطقة من الباعة وإعادة تشكيلها بما يرضي المستثمر الإماراتي الذى منحته الدولة موطأ قدم فى الحي التجاري.
وأوضح فؤاد –فى تدوينة عبر حسابه على موقع فيس بوك: “كلكم سمعتم عن حريق العتبة، فيكم من اهتم، وفيكم اللي مااهتمش وفيكم اللي ما سمعش أصلا”، إلا أنه طالب الجميع أن يتوقف أمام –ما وصفه- “شهادة للتاريخ”.
وأضاف: “العتبه هي بلدي.. والدي الله يرحمه عنده مصنع ملابس من 45 سنة في الرويعي بالعتبة، أصحاب المحلات والمصانع في العتبة والباعة الجائلين اللي في الشارع هم أهلي ولي الشرف إني انتمي لهم، المبني اللي في الصوره هو صيدناوي ملك الحكومة لكنه للأسف بيخسر كل سنة، الحكومة باعته أو أجرته بحق انتفاع مدة طويلة لمستثمر إماراتي”.
وتابع: “طبعاً الراجل عايز يستلم الشركة خالية من الباعة الجائلين اللي عايشين هم وأباؤهم وجدودهم من قبلهم وأولادهم من بعدهم بجوار المبني، طيب حكومتنا تعمل إيه لإرضاء سموه.. تخيلوا حرقت بضاعة الناس وهم قافلين ونايمين في بيوتهم عشان تجبرهم يسيبوا المنطقة”.
وأشار شاهد العيان إلى أن السيد (محافظ القاهرة) أول حاجة قالها لازم ننضف العتبة من البائعين لأنهم خطر على الأمن .. طيب وبيوتهم اللي خربت، طيب وأولادهم، تحرقوا شقاهم يا كفره”.
واختتم فؤاد تدوينته: “4 قتلي انهارده وبيقولوا لا وفيات، مطافي مصر جات متأخرة عمداً ومش عايزين الحريقه تنطفي لحد دلوقتي”، معقبا: “اعتبروا العتبة زي تيران وصنافير بيعوها للإمارات .. حسبي الله ونعم الوكيل.. السيسي بيحرق مصر”.
أملاك اليهود!
الكاتب الصحفي عامر عبد المنعم حاول بدوره سبر أغوار الحريق الذى يبتعد أمتارًا عدة عن حارة اليهود التى تحكمت فى الاقتصاد المصري طويلا خلال مطلع القرن الماضي وحتى خروج اليهود من مصر فى الخمسينيات، والتى تعد أيضا مسقط رأس الرئيس عبد الفتاح السيسي.
عبد المنعم شدد على أن حريق العتبة يأتي في إطار المخطط الصهيوني لإخلاء وسط العاصمة لإعادتها لملاكها القدامي من اليهود والأجانب، وتحويل منطقة وسط البلد إلى كافتريات تديرها شركات دولية، والكورنيش إلى أبراج، وطرد الحكومة المصرية منها.
وِأكد عبد المنعم على أن المنظمات الصهيونية تعمل بالتعاون مع النظام المصري على إخضاع القاهرة لجيش من شركات الأمن الخاصة التي تدار من تل أبيب ولندن وواشنطن، بعد شراء مباني الحكومة المصرية وإخراج الحكم المصري من القاهرة الكبرى.
وأوضح عبدالمنعم أن تفاصيل المشروع المرتبط بما يسمى القاهرة الخديوية – وهو شعار مضلل – موجودة في مشروع جمال مبارك “القاهرة 50” الذي يبدو أنه لم يتوقف رغم سقوط نظام مبارك ونهاية حلم ابنه جمال، فالعقل المدبر يضع الخطط ويستخدم الأدوات حسب كل مرحلة.
عاوز تهجَّر .. فجَّر!
كثير من الخبراء اكتفى بطرح الأسئلة المشروعة حول الكارثة المروعة دون محاولة إضافة استنتاجات تفتقر إلى أدلة ملموسة تدعم الواقع الذى لا تخطأه عين، حيث أعرب الدكتور نادر نور الدين -الأستاذ بجامعة القاهرة- عن اندهاشه من استمرار حريق “الرويعي” الذي أدى إلى خسائر تُقدر بالملايين لـ 6 ساعات رغم تواجده فى موقع الإطفاء الرئيسي فى مصر.
وأضا نور الدين: “كيف يكون حريق العتبة مباشرة أمام المركز الرئيسي للمطافئ في مصر وبه أكبر تجمع لأعداد سيارات المطافئ بل وقيادة قوات الإطفاء في مصر، ومع ذلك تحدث كل هذه الخسائر، معقبا: هل هو استهتار.. إهمال.. عدم تقدير موقف أم ماذا؟“
وهو التساؤل الذى رد عليه الإعلامي أيمن عزام: “كما طردوا أبناء سيناء من أرضهم لمصلحة الصهاينة، يتم التخطيط لطرد الغلابة أصحاب محلات العتبة لصالح الكبار الطامعين في المكان”، معقبا: “عاوز تهجَّر .. فجَّر”.
حرائق الانقلاب
عادت آلة الحرائق بعد الانقلاب لتدور من جديد بوتيرة أسرع، حيث شب في 13 أغسطس 2015 ، حريق كبير بسنترال الاوبرا بالعتبة، ودفعت قوات الحماية المدنية بـ48 سيارة إطفاء لإخماد الحريق، بعد أن التهم محتويات المبنى من الطابق الثاني وحتى الخامس.
شهر آخر كان كافيا للإعلان عن حريق جديد في 21 سبتمبر 2015 ، التهم مخزن لعب أطفال والعشرات من المحلات التجارية بحارة اليهود بالجمالية، على مساحة 250 متراً، وتم الدفع وقتها بـ 11 سيارة إطفاء ومحاصرة النيران قبل امتدادها إلى باقي المخازن والمحلات دون إصابات، وأكد أصحاب المحلات أن قيمة الخسائر تقدر بـ”4 ملايين جنيه”
وفي 2 فبراير 2016، نشب حريق هائل بالجزء الخلفى لمول العتبة ودفعت الحماية المدنية، بـ3 سيارات إطفاء وسلم هيدروليكى للسيطرة على النيران، وفرضت قوات الأمن كردونا أمنيا في محيط المنطقة، قبل أن تنجح في إخماد النيران.
وتمكنت قوات الحماية المدنية في يوم 3 مايو 2016، من السيطرة على حريق هائل نشب فى 8 محال و40 فرشا بالعتبة، ونتج عنه إصابة 5 أشخاص وتم نقلهم للمستشفى .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات