فى حالة نجاح الثوار فى الوصول إلى الكثافة العددية التى لا يمكن للنظام إزاحتها أو التعامل معها فإنه ـ حينئذٍ ـ لن يكون أمام المؤسسة العسكرية إلا خياراتٌ ثلاثةٌ لا رابع لها:
الخيار الأول: القيام بانقلابٍ ناعمٍ على انقلاب السيسى يكون مدبرًا بالاتفاق معه أو رغمًا عنه دون اتفاقٍ مسبقٍ وفقًا لتفاهماتٍ خارجيةٍ تعطى الضوء الأخضر بذلك، وفى هذه الحالة سيعمد العسكر إلى الظهور فى ثياب الملاك المخلِّص بإبداء الانصياع الظاهرىِّ لمطالب الثورة والتظاهر بحمايتها والعمل على التحلل من اتفاقية ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة ما بين مصر والسعودية والتى بموجبها باع السيسى جزيرتي تيران وصنافير إليها، فإذا ما استحوذوا على ثقة الثوار ـ كما حدث من قبل فى 25 يناير 2013 ـ فإنهم سيستأثرون وحدهم بالسلطة فى البلاد يمارسونها على نحوٍ مباشرٍ دون شريكٍ أو منافسٍ حقيقىٍّ للالتفاف مرةً أخرى على الثورة, وإجهاض أحلامها وإفراغها من محتواها الثورىِّ لتبقى الأوضاع كما هي وتستمر الدولة العميقة فى صدارة مؤسسات الحكم والإدارة .
الخيار الثانى: إجبار السيسى على التنازل عن السلطة إما للمؤسسة العسكرية مباشرةً، وإما لمجلسٍ رئاسىٍّ أو رئيسٍ مؤقتٍ تختاره أو ترضى عنه, ومن خلاله تُحكِم قبضتها على مقاليد السلطة فى البلاد بشكلٍ غير مباشرٍ فى حين تتظاهر بالحياد والعودة إلى الثكنات، هذا الخيار ـ وهو أحد أشكال الانقلابات الناعمة ـ من الخطورة بمكانٍ تجعله أشد وطأةً من الخيار الأول؛ إذ لن يكون من الضرورىِّ للعسكر العمل على كسب ثقة الجماهير من أجل الوصول إلى حالة الالتفاف الكامل على الثورة بغية الحفاظ على الدولة العميقة وأركانها؛ لأنهم لن يكونوا ـ بالطبع ـ على خط التماس مع الشعب فى أىٍّ من شئون الحكم، بل على العكس من ذلك فإنهم ربما يلجأون إلى ممارساتٍ انتقاميةٍ بشكلٍ نوعىٍّ ممنهجٍ مستخدمين القضاء الموالى لهم وغير ذلك من الممارسات التى نعرفها جيدًا، وربما سارعوا إلى إتمام اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية لشراء تأييدٍ دولىٍّ أو إقليمىٍّ لمخططاتهم المرسومة سلفًا للقفز ثانيةً على الحكم، وسيكون ذلك كله من اليسير عليهم طالما أن كامل تبعته ستؤول ـ فى النهاية ـ إما إلى القضاء وإما إلى المجلس الرئاسىِّ أو الرئيس المؤقت الذى جاؤوا به.
الخيار الثالث: أن تلتزم المؤسسة العسكرية الحياد الكامل بشكلٍ حقيقىٍّ ونيةٍ صادقةٍ، وهذا الأمر وإن كان مستبعدًا وفقًا للعقيدة التى تترسخ فى الفكر العسكرىِّ منذ فجر التاريخ إلا أنه فى مفهوم الثورات وفلسفتها لن يكون بالأمر المستبعد العصىِّ عن المنال إذا كان الثوار من الوعي والحرص بما يكفي لوضع كل الأمور فى نصابها الصحيح.
إن نجاح الثورة قرينٌ بإلزام المؤسسة العسكرية الحياد التام المطلق بصورةٍ نهائيةٍ لتتحول إلى مؤسسةٍ كسائر مؤسسات الدولة تخضع لسلطان شعبها لا لأن تكون هي الدولة ذاتها ويكون المواطنون مجرد رعاةٍ فى حظائرها. وبغير ذلك فإننا سنعود بمصر إلى نقطة الصفر من جديد أو ربما نعجز عن ذلك فنبدأ من تحت الصفر.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات