أصبح استيراد نفايات إيطالية, قضية رأي عام بالمغرب، وموضوع حملة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال العديد من الهاشتاجات المعبرة.
وكان مركز بيئي بمدينة “الجديدة” سباقًا إلى الإعلان عن ذلك ودق ناقوس الخطر، وكشف أن المغرب قام بجلب بقايا صلبة لحرقها، مما يشكل خطرا على البيئة وعلى صحة المواطنين ويسبب أمراضا خطيرة (2500 طن من النفايات المطاطية والبلاستيكية قادمة من إيطاليا، تلتها حزمة أخرى من فرنسا).
من جهتها, اختارت السيدة حكيمة الحيطي، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالبيئة، أول خروج إعلامي للدفاع عن الصفقة والتأكيد على أن هذه المواد تخضع للمراقبة وأنها مفيدة، بعد أن لزمت صمتا طويلا, لم يعد مجديا في ظل تنامي الوعي والمد الافتراضي الذي أصبح يشكل قوة ضاغطة حلحلت العديد من الملفات والقضايا.
السيدة الوزيرة أكدت أن النفايات التي رخصت باستيرادها، غير خطرة, تستعمل كمكمل أو بديل للطاقة الأحفورية دوليا في مصانع الإسمنت نظرا لما تتميز به من قوة حرارية مهمة، وعقدت ندوة صحفية للدفاع عن الملف.
أما وزير الداخلية (منصب سيادي يعينه القصر المغربي) فقد تدخل في مجلسٍ حكومي ودافع عن الصفقة، وهو لا يتدخل إلا بالملفات التي عليها إشارات عليا، وسُحبت تدخلات برلمانيين بكلا الغرفتين “مجلس المستشارين والبرلمان” من عدة فرق تقدمت بطلبات إحاطة توجهت للحكومة، حتى اعتبر المتابعون ذلك الإجراء تعطيلا للمؤسسات، مما يرجح شكوكا وفرضيات ومعطيات تقول إن الصفقة أبرمتها شركة “هولسيم المغرب” أو شركة “إيكوسيم” (ECOCIM)، وهي فرع شركة “لافارج المغرب التابعة بدورها للهولدينج الملكي (شركة قابضة ملكية)، وهذا الأخير يُمنع بالمغرب تناوله إعلاميا أو محاسبته او مناقشة مشاريعه.
معركة انتخابية
بينما ذهب آخرون، وفيهم وزراء وسياسيون، إلى أن الأمر لا يعدو أن يكون معركة انتخابية مع اقتراب موعد 7 اكتوبر، موعد الانتخابات البرلمانية التشريعية, يراد منها إحراج الحكومة الحالية والائتلاف الذي يقوده حزب العدالة والتنمية، مستدلين بذلك على كون هذه الصفقة أجريت سنة 2003 ، في عهد وزير سابق في سرية تامة ولم تثر حولها أية ضجة، وأنها لم تكن أول حزمة نفايات تصل المغرب، لكنها بالمقابل كانت تمر في تكتم شديد ولا تكشف تفاصيلها للرأي العام، ولا تخرج نتائج تحليل وفحص تلك المستوردات أبدا إلى العلن.
معطيات وتجارب صادمة
تقول المعلومات إن الاتحاد الأوربي يمنع تصدير واستيراد هذه الأشياء، وحتى إحراقها يتم في ظروف وشروط خاصة وفي أفران بدرجة حرارة عالية جدا، وبقانون خاص، لأنها ملوِثة وتضر البيئة.
ولهذا يرى المهندس الإيطالي باولو رابيتي؛ خبير قضائي كلفته محكمة نابولي للبحث في ما يعرف بـ”نفايات نابولي” أن الكلفة الباهظة لإتلاف هذه النفايات وتشديد المراقبة من طرف الاتحاد الأوربي سببان رئيسيان للجوء إلى بعض الدول، مثل المغرب للتخلص منها بأقل تكلفة وفي غياب نفس المنظومة الحقوقية والقانونية الصارمة.
فيما قالت جريدة « لوموند » الفرنسية ومعهد الصحة الايطالية، إن حرق هذه النفايات يتسبب في أمراض مزمنة، خاصة لدى الرضع والأطفال ( مرض السرطان ) ودفنها يتسبب في تسمم الفرشة المائية.
وإذا علمنا أن نفس النوع من هذه النفايات سبق وأن أثار جدلا واسعا داخل إيطاليا سنة 2013، ما دفع الاتحاد الأوروبي آنذاك إلى فرض غرامات مالية كبيرة على روما سنة 2015 قدرت بملايين اليورو مما دفع إيطاليا للبحث عن أماكن اخرى بالعالم للتخلص من هذه التبعات والمتابعات، بعدما أحرجتها منظمات وجمعيات مهتمة بالبيئة، ورفع مواطنون وفلاحون إيطاليون دعاوى قضائية حصلوا منها على تعويضات عن الأراضي التي تضررت بمساحات واسعة ولايزالون يطالبون بالمزيد من التعويضات.
أسئلة مشروعة
ولعل السؤال البديهي الذي يطرحه الناس ورواد شبكات التواصل الاجتماعي: أيمكن لإيطاليا بتقنياتها وتطورها ومختبراتها ومصانعها أن تفرط في طاقة بديلة أو إيكولوجية وتصدرها لبلد نامٍ وهي قد تكون في حاجة إليها؟
لماذا تدفع إيطاليا مقابلا ضخما للمغرب إذا كانت النفايات تشكل طاقة بديلة يمكن أن تستفيد منها؟
وإذا كانت النفايات مطابقة للشروط وللسلامة فلم لا تحرق في مكانها أو في بلد أوربي؟
أم أن الأمر يتعلق بنفايات سامة يتخلص منها الإيطاليون في بلدٍ متخلف بمقابلٍ مادي, حيث تخفت المراقبة والصرامة القانونية, ويوجد سماسرة لمثل هذه العمليات يستفيدون منها في تغييب تام للجميع؟
لن تكون قضية نفايات إيطاليا سهلة, خاصة أنها مرتبطة بالمحيط الملكي واستثماراته بما يصعب إمكانية التراجع عنها، ثم بالنظر إلى طبيعة النسق المخزني المغربي القائم والحريص على “هيبة” الدولة وإبعاد المؤسسة الملكية, وهو ماكان حين توجه الملك إلى عطلة في “تطوان” رغم كل الجلبة القائمة. بينما يرى آخرون أن القضية لن تطوى بخرجات إعلامية وزارية فاقدة لكثير من التفاصيل ومحاطة بالغموض، في سياق مغربي متسم بالتوتر وتغيرات مجتمعية كبيرة، خاصة بعد حراك 2011 ، أضف إلى ذلك دعوة نشطاء إلى الاحتجاج أمام البرلمان، وآخرين بمدينة آسفي والبيضاء، المدن التي قد تحتضن حرق هذه الأشياء بما أنها تعتبر من أهم نقاط شركات الإسمنت بالمغرب، كما أن هناك مطالب لحقوقيين ومتتبعين بفتح تحقيق جدي وعاجل وشفاف في ملابسات الاستيراد والاستفادة المالية من إحراق ملايين الأطنان من النفايات الإيطالية والفرنسية وبمساءلة المتورطين فيها ومتابعتهم، إعمالا لمبدأ عدم الافلات من العقاب.
كما قام السيد زيان الوزير السابق لحقوق الإنسان برفع دعوى قضائية مستعجلة ضد الوزيرة المكلفة بالبيئة.
