بوعزيزي مصر .. الموت عند بوابات العسكر

لا يختار الإنسان عادة مكان موته,  “….. ولا تدري نفسٌ بأي أرض تموت” .. لكن شابا مصريا اختار أن يحرق نفسه أمام بوابات المنطقة الشمالية العسكرية بالإسكندرية, عند أحد الأندية التابعة للعسكر, وهو يصرخ: “مش لاقي آكل” .. حرق نفسه احتجاجاً على غلاء الأسعار وسوء الأحوال المعيشية.

 المكان هنا له دلالة كبيرة؛ فالشاب يعرف جيدا – كما الشعب – من المسئول عن معاناته, وأن هذا المسئول لا يسمع شكواه ولذا فقد اضطر لتوصيل الشكوى له بطريقة صارخة حتى تصل إلى مسمعه.

هل قرأ ذلك المسكين أو سمع عن الحوار الذي نشرته الصحف المصرية (الأهرام والأخبار والجمهورية)، يوم السبت الماضي، للجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي وجه فيه الدعوة إلى المصريين ألا يأكلوا ولا يناموا وأن يتحملوا الإجراءات الصعبة المقبلة؟

أم رأى مقطع فيديو سائق “التوكتوك”، الذي وجه انتقادات حادة للمسئولين في مصر، بسبب تردي الأوضاع العامة بشكل غير مسبوق؟

هل اختار الانتحار وسيلة لتبليغ رسالة مفادها رفض الشعب المصري لتصريحات السيسي وأنه ليس لديه استعداد ليتحمل المزيد من قراراته القاسية التي توجه بالأساس إلى البسطاء وحدهم.

هل أراد أن يحمل السيسي المسؤولية عن إقدام “بوعزيزي مصر” على حرق نفسه,  فضلا عن مسئوليته عن إحباط الشباب الذي يموت غرقا خلال محاولة الهجرة غير الشرعية عبر البحر.

المصري “المشتعل” بنار الأسعار, وجّه – حسب شهود عيان-  انتقادات لسلطة الانقلاب برئاسة السيسي بسبب غلاء الأسعار، ثم سكب البنزين على نفسه، ليشتعل بالنار الحقيقية، ولا ندري أيها كانت أشد عليه؛ نار الغلاء والمعاناة, أم نار الجسد المشتعل, لكن المؤكدين أن النارين قد اجتمعتا عليه, فقد أكد شاهد عيان أن الشخص كان يردد قبل إشعال النار بجسده “مش لاقي آكل”، ما تسبب في حالة من الذعر والفزع بين المارة في الشارع، الذين سارعوا إلى إطفاء النار التي ألهبت جسده، وطلب الإسعاف لنقله إلى المستشفى.

مديرية الشؤون الصحية بالإسكندرية أصدرت بيانا، قالت فيه إن الشاب يُدعى أشرف محمد شاهين، سائق تاكسي، ويبلغ من العمر 30 عاما، من كفر الدوار، وقد سكب (بنزين) على نفسه، ما تسبب في حروق بالبطن والصدر والساقين، بنسبه تتعدى 95 في المائة، وحالته خطيرة.

وقال د. طارق خليفة، مدير المستشفى الذي أدخل إليه المصاب، إن “الإسعاف أحضرت شابا مصابا بحروق من الدرجة الثالثة في جميع أنحاء الجسم، وأجريت له الإسعافات اللازمة، إلا أن حالته في وضع خطير”، مشيرا إلى أن “نسبة كبيرة من الحروق دمرت الأنسجة، وهذا يحتاج إلى فترة علاج طويلة، وما يحدث حاليا هو محاولات إنقاذ ما يمكن إنقاذه نتيجة للوضع المأساوي الذي يوجد عليه”.

وأوضح أن الشاب الذي أطفأ النيران المشتعلة في جسد السائق مصاب بحروق بنسبة أقل، والاثنان يعالجان في وحدة الحروق بالمستشفى.

ويعتبر الغلاء أبرز المشاكل المؤرقة للطبقات المحدودة وحتى المتوسطة التي تعاني من أزمة اقتصادية لا تنكرها الحكومة.

وتنتشر دعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبين المصريين وحتى لافتات في الشوارع، تطالب بالنزول يوم 11 نوفمبر، ضد الغلاء، دعوةٌ لم تتبناها أي جهة معارضة بارزة بشكل معلن.

هل سيعتبر المصريون “أشرف” الذي أشعل النار في نفسه مثل بوعزيزي تونس, ويفلح في استدعاء الأجواء الاقتصادية والمعاناة المعيشية التي كانت مقدمة للثورة التونسية.

المؤكد أن تلك الواقعة سوف تزيد الزخم الثوري الشعبي الذي بدأ يتشكل, كما أن مجمل الأوضاع الحياتية والمعاناة اليومية والانهيار الاقتصادي وزيادة الاحتقان بشكل ملفت لدى المصريين تعد مقدمات لثورة عارمة يقودها البسطاء.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …