يعتزم السودان تقديم شكوى للاتحاد الإفريقي ومنظمة «الإيقاد» الإقليمية بشأن الاعتداءات الإثيوبية على أراضيه، وذلك بعد إعلان الجيش السوداني في وقت مبكر، اليوم الخميس، عن حالة التأهب القصوى دافعًا بتعزيزات عسكرية على طول الشريط الحدودي بين بلاده وإثيوبيا. فيما كشفت مصادر مُطلعة على الأوضاع على حدود البلدين عن تورط الجيش الإثيوبي و«مليشيات إثيوبية» في نصب كمين للجيش السوداني داخل أراضيه وهو ما أدى إلى مقتل أربعة عسكريين سودانيين قبل يومين.
ووصل إلى ولاية القضارف الحدودية [شرق السودان] رئيس المجلس السيادي الحاكم في السودان، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، يرافقه رئيس الأركان الفريق أول محمد عثمان الحسين، وقيادات من الجيش، حيث اجتمعا بالقيادات العسكرية في المنطقة الشرقية، وتلقيا تقريرًا حول تقدم الجيش وتمركز القوات والانتشار بالشريط الحدودي في أعقاب الاعتداء الإثيوبي على القوات السودانية بمنطقة أبو طيور بمحلية القريشة بـ«القضارف» الذي جرى الثلاثاء الماضي.
واتهم الجيش السوداني نظيره الإثيوبي و«مليشيات»، بنصب كمين داخل الأراضي السودانية مساء الثلاثاء الماضي، ما أدى إلى مقتل أربعة عناصر بينهم ضابط برتبة رائد، إضافة إلى جرح 12 آخرين. وفي سياق متصل أعلن مجلس الوزراء السوداني عن دعمه ووقوفه مع القوات المسلحة، مؤكدًا ثقته في قدرتها على حماية حدود البلاد، ورد أي عدوان.
وبدأ الجيش السوداني خلال الأسابيع الأخيرة التمدد في أراضيه التي كانت تحت سيطرة مليشيات إثيوبية طوال فترة الـ 26 عامًا الماضية.
وقال المركز الإعلامي العسكري للجيش السوداني، في بيان صدر أمس، إن «مساء الثلاثاء [الماضي] وأثناء عودة قواتنا من تمشيط المنطقة حول جبل أبو طيور داخل أراضينا تعرّضت لكمين من القوات والمليشيات الإثيوبية داخل الأراضي السودانية مما أحدث خسائر في الأرواح والمعدات”.
وبحسب البيان، فإن الجيش بدأ بإعادة الانتشار والانفتاح داخل مناطق البلاد الحدودية، وذلك لمنع استغلال أطراف النزاع في إثيوبيا لأراضيه «لانطلاق أي نوع من العمليات، وكذلك لحماية الأراضي السودانية من أي مُهددات”.
ووقعت معارك طاحنة بعد سلسلة الكمائن التي نصبتها القوات الإثيوبية، إلا أن اثيوبيا أخلت المنطقة سريعًا بعد أن نشر السودان مزيدًا من التعزيزات العسكرية وتورط الجيش الإثيوبي في المعارك الحربية والقصف المدفعي تجاه الأبرياء والعُزل والمزارعين والرعاة السودانيين.
وواصلت القوات السودانية إعادة الانتشار على طول الشريط الحدودي مع إثيوبيا حيث يتولى المهمة اللواءين الخامس والسادس مُشاة.
وأوضحت مصادر عسكرية أن الجيش السوداني أعاد انتشاره على أراضيه بعد اندلاع أزمة إقليم تيجراي الشهر الماضي لاعتبارات إنسانية تتعلق بتدفق اللاجئين الإثيوبيين، فضلًا عن اعتبارات أخرى أمنية تتعلق بسلامة مواطنيه وأراضيه بعد أن شهدت المنطقة صدامات عسكرية بين الجيش الإثيوبي مدعومًا بمليشيات تنتمي إلى «الأمهرة»، ثانٍ أكبر مجموعة عرقية في البلاد من ناحية، وقوات تيجراي من ناحية أخرى.
وزار رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لفترة وجيزة، الأحد الماضي، ونقل لمسؤوليها مخاوفه بشأن التهديدات لأمن السودان على طول حدوده مع إقليم تيجراي.
فيما قالت مصادر دبلوماسية سودانية لموقع «مدى مصر» إن السودان يعتزم الدفع بشكوى للاتحاد الإفريقي ومنظمة «الإيقاد» الإقليمية بعد أن تزايدت الاعتداءات الإثيوبية. وتضيف المصادر نفسها أن الخرطوم تسعى إلى الحلول السلمية والدبلوماسية، دون أن تفرط بحقها في السيادة على أراضيها والمحافظة على حدودها.
وتعترف إثيوبيا رسميًا باتفاقية «هارنقتون – مينليك» الحدودية، المُوقعة في 1902، وكذلك ببروتوكول الحدود، الموقع في العام التالي، فضلًا عن اتفاقية 1972 مع حكومة السودان بأن منطقة الفشقة أرض سودانية. لكن على أرض الواقع فإن جزءًا من نُخب الأمهرة الإثيوبية -التي تتمتع بتأثير اقتصادي وسياسي واجتماعي- لا تعترف بتقسيم الحدود وتسعى للاستفادة من «الفشقة»، وذلك عبر عصابات «ولجاييت» التي تُسمى بالأمهرية «شفتا»، بينما يتواجد أكثر من 1700 مزارع إثيوبي يزرعون داخل الأراضي السودانية منذ سنوات، بحسب تغطيات إعلامية.
وأدت العمليات العسكرية المستمرة بواسطة المليشيات الإثيوبية المسلحة والجيش الإثيوبي إلى تغول واستيطان واستغلال المزارعين الإثيوبيين مساحة 310 ألف أفدنة بـ«الفشقة الكبرى»، بجانب 411 ألف فدان في «الفشقة الصغرى”.
وتُسمى هذه المنطقة في اتفاقيات الحدود بين السودان وإثيوبيا بـ «القطاع الأوسط»، وتقع على الحدود الشرقية السودانية عند تقاطع خور الرويان مع نهر ستيت، وحتى تقاطع نهر عطبرة مع الحدود الإثيوبية في منطقة بلشورة بطول 168 كيلومترًا مع إثيوبيا. ويحد المنطقة نفسها شمالًا نهر ستيت حتى التقائه بنهر آخر هو عطبرة قرب مدينة الشواك كبرى مدن محلية الفشقة، ومن الغرب والجنوب نهر عطبرة وتُسمي الفشقة الكبرى، وهي من أكبر الأراضي الزراعية الخصبة، وتُقدر بنحو 750 ألف فدان يستغل منها المزارعون السودانيون نحو 320 ألف فدان.
وتقع الفشقة الصغرى جنوب نهر باسلام وهي أراض زراعية، لكن تكثر فيها المرتفعات وتقدر المساحة الصالحة للزراعة فيها بنحو 500 ألف فدان، فيما لا يزيد المُستغل منها بواسطة المزارعين السودانيين على حوالي 64 ألف فدان.
ومن جانبه، أشار اللواء ركن أمين إسماعيل مجذوب في حديثه لـ«مدى مصر» إلى أهمية حسم مسألة الحدود أولًا، ومحاولة إنشاء مشاريع استراتيجية للتعاون المشترك توفر الأمن الغذائي لإثيوبيا عبر تدخل من حكومتي البلدين واستراتيجية أشمل للتعاون ثانيًا.
كما اعتبر مجذوب أن انتشار الجيش السوداني على كامل الحدود مع إثيوبيا أمر ضروري، فضلًا عن إقامة قرى دفاعية تُوفر فيها كل الخدمات الضرورية، مضيفًا: «على الحكومة الإثيوبية، لكي تؤكد حسن نواياها ومصداقيتها، أن تطلق يد الجيش السوداني في مواجهة عصابات الـ«ولجاييت»، وأن تعتبر ذلك حقًا مشروعًا لحماية السيادة الوطنية للدولة السودانية، بأن يكون لها الحق في القضاء على المسلحين الذين يتجاوزون الحدود”.
