تسعى فرنسا وألمانيا إلى إبرام اتفاق جديد مع تركيا لإصلاح العلاقات مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بينما دعا مشرعون في الاتحاد الأوروبي، يساورهم القلق من نتائج الاستفتاء في تركيا إلى تعليق محادثات انضمام تركيا إلى التكتل رسمياً قائلين إنها لا تفي بالمعايير الديموقراطية.
وقال وزير الخارجية الألماني زيجمار جابرييل الذي أجرى محادثات في مالطا مع نظرائه في الاتحاد ومع وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو، إنه «يعارض تماماً» إلغاء مفاوضات انضمام تركيا القائمة منذ عشرة أعوام. لكن بعد يوم من المحادثات، قال إن القضية الحقيقية هي ضمان أن يكون لدى الاتحاد الأوروبي اتفاق جديد أوسع لعرضه على تركيا قبل التخلي عن عملية الانضمام إلى الاتحاد.
وقال يوهانس هان؛ مفوض سياسة الجوار الأوروبي, الذي يدير ملف عضوية تركيا «سير العمل كالمعتاد ليس خياراً مطروحاً .. لنحتفظ بهدوئنا ولنضع مجموعة قواعد تمكننا من العمل مع تركيا».
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال في تصريحات سابقة إن بلاده ستعيد النظر في موقفها من الانضمام للاتحاد الأوروبي إن هي ظلت في قائمة الانتظار طويلاً، لكنه أوضح أن تركيا ما زالت ملتزمة بعملية التفاوض.
ونظراً لأن كل جانب ربما لا يريد النظر إليه على أنه ينهي رسمياً عملية الانضمام الرامية إلى تحديث اقتصاد تركيا وتعزيز هيئتها القضائية، قال مسؤول في الاتحاد الأوروبي إن الأولوية تتمثل في «الخروج من الطريق المسدود».
والاتحاد الأوروبي هو أكبر مستثمر أجنبي في تركيا وأكبر شريك تجاري لها، كما أن حدود تركيا المشتركة مع العراق وسورية, وروسيا في البحر الأسود تجعلها حليفاً مهماً.
الكاتب التركي محمد زاهد جول يرى أن المتابع للمواقف الأيديولوجية والثقافية لبعض المثقفين الأوروبيين يرصد أن هناك خطة أوروبية أيديولوجية تقودها مراكز أبحاث أوروبية معادية للإسلام والمسلمين عموماً، وعلى وجه التحديد معادية لتركيا والشعب التركي خصوصاً، وقد تجلت هذه المواقف الأوروبية الثقافية العنصرية قبل بدء استفتاء التعديلات الدستورية بتاريخ 16 ابريل 2017 .
ويضيف جول: لم تكن هذه المواقف المؤسسة لهذه المشاريع الأيديولوجية العدوانية ضد تركيا فحسب بل كانت كاشفة عنها، فقد أخرج الاستفتاء الحقد الدفين في قلوبهم على ألسنتهم، كالذين يصرحون على الملأ وبأوسع القنوات التلفزيونية الأوروبية بالتحريض على قتل الرئيس التركي بمنطق عدائي صارخ غير معهود ـ من قبل ـ على ألسنة الباحثين والأكاديميين الأوروبيين، كما خرج الحقد الدفين لدى بعض الأيديولوجيين الأوروبيين على صفحات الصحف الأوروبية والعالمية، وكلها تنضح حقداً وكراهية ضد الشعب التركي، وتدعو إلى الفتن الداخلية بين أبناء الشعب التركي، وهي تدرك أنها تسعى إلى إشعال حرب أهلية داخل تركيا، وبأيدي الأحزاب التركية، التي يتم شحنها بالعداء ضد بعضها بعضاً، لإضعافها جميعا، فهي لا تستهدف حزباً معيناً ولا فئة معينة من الشعب التركي، تصفها بالمتدينين ضد فئة أخرى تصفها بالعلمانيين، وإنما تستهدف تغطية الصورة الحقيقية للمعركة التي تخوضها بعض الدول الأوروبية ضد مشاريع الاستقلال التي يخوضها الشعب التركي بقيادة حزب العدالة والتنمية وأردوغان من أجل استقلال التام لتركيا الجديدة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتصنيعياً وعسكرياً وغيره .
إنهاء الوصاية الأوروبية على تركيا
ويؤكد زاهد جول في مقال تحليلي له أن الأوروبيين يدركون ان الشعب التركي لا يخوض معارك كسر الوصاية الداخلية فقط، وإنما يخوض معارك كسر الوصاية الخارجية أيضاً، التي تتجسد بالوصاية الأوروبية على تركيا، التي دامت نحو قرن من الزمن.
هذه القراءة لا تقوم على تخيل معارك وهمية أو افتراضية، وإنما هي معارك مفروضة على الشعب التركي وأحزابه كلها، وعلى كل حكوماته المقبلة أيضاً، وهي ليست معركة يصطنعها نوع معين من الأحزاب التركية إطلاقاً، وإنما هي معركة تقودها عواصم أوروبية في مقدمتها برلين، فقد عبرت المستشارة الألمانية ميركل عن حملة العداء الأوروبي لتركيا بأوضح صورة وهي تطالب الاتحاد الأوروبي بوضع خططه لمواجهة تركيا قائلة: إن على الاتحاد الأوروبي إيجاد رد مشترك على نهج أردوغان، هذه الكلمة لم تأت في مؤتمر صحفي أو لقاء تلفزيوني عابر وإنما في كلمة لها خلال اجتماع الكتلة البرلمانية الاتحادية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي يوم 25 أبريل 2017 ، أي إنها كلمة مدروسة مسبقاً، فميركل تدعو دول الاتحاد الأوروبي إلى الاتحاد ضد نهج أردوغان، وتضيف المستشارة الألمانية: « الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى وقتٍ كافٍ لاستنتاج معقول حول تركيا»، أي إلى وضع خطة تنتهجها كل دول الاتحاد الوروبي وليس بعض الدول الأوروبية أو ألمانيا فقط، كما هو الحال الآن، فألمانيا تفتح أبوابها لكل من يعادي تركيا، مثل عناصر إرهابية من حزب العمال الكردستاني، ومنظمة فتح الله جولن، وغيرها.
ويشير جول إلى أن موقف الباحث الفرنسي في العلوم السياسية، فيليب مورو ديفارج الذي حرض على قتل أردوغان لا يخرج عن هذه الحملة الأوروبية، فهو يقوم بوظيفة مبرمجة في مراكز الأبحاث الأوروبية، ولذا لا بد أن تكون خطة المقاومة الدفاعية التركية مبرمجة أيضاً، ورفعُ رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، ونواب ومسؤولين في حزب العدالة والتنمية دعوى قضائية ضد الباحث الفرنسي بتهمة التحريض على اغتيال رئيس الجمهورية خطوة مهمة جداً، ولكن هذه الخطوة ينبغي أن تصاحبها خطوات مماثلة من أحزاب المعارضة التركية التي صوتت بـ”لا” ضد الاستفتاء على التعديلات الدستورية، لأن هذه المواقف الأوروبية ليست ضد حزب العدالة والتنمية وأردوغان فقط، وإنما ضد كل الشعب التركي، فمن يدعو إلى تخريب المجتمع التركي إنما يعادي كل الأحزاب السياسية؛ في السلطة والمعارضة معاً.
ويشدد جول على نقطة جوهرية أخرى حتى لا يبدو الأمر على أنه تأييد لأحزاب المعارضة ضد أحزاب السلطة فإن المسؤولية الوطنية تفرض على أحزاب المعارضة وفي مقدمتها حزب الشعب الجمهوري أن يصدر بياناً يندد بهذه التصريحات العدائية ضد تركيا، وأن يتقدم برفع قضايا لدى المحاكم التركية والأوروبية على دعاة التحريض لقتل أردوغان، فأردوغان ليس رئيس جمهورية نصف الشعب التركي، وإنما هو رئيس كل الشعب التركي.
وما أشارت إليه لائحة الاتهام الحكومية ضد تصريحات ديفارج تقول عنها: «ما هي إلا امتداد للمواقف الفاشية التي انتهجتها العديد من الدول الأوروبية خلال مرحلة الاستفتاء الشعبي الذي جرى في أبريل، ضد أردوغان ويلدريم والوزراء الأتراك وحزب العدالة والتنمية والشعب التركي»، ووصفت التصريحات بأنها تأتي ضمن «خطة خطيرة»، فالخطوة الحكومية لا تدافع عن جزء من الشعب التركي وإنما عنه كله، وهذا يلزم أحزاب المعارضة الوطنية وعناصرها الوطنية أيضاً أن تقف ضد الحملة الأوروبية المعادية لتركيا، لإفشال المشاريع الأوروبية التي تهدف إلى التغطية على الهجمة الأوروبية بإدعاء أن الصراع هو بين أبناء الشعب التركي نفسه، وليس بين أوروبا وتركيا، فهذه المكيدة الأوروبية يجب أن تفشل، وفشلها من مسؤولية كل الأحزاب التركية، وفي مقدمتها أحزاب المعارضة، لأنها تدرك أن مهاجمة تركيا اليوم هي ضد استقلال القرار التركي عموما وليس على مسائل جزئية مثل الاستفتاء أو غيره.
أهداف الخطة الأوروبية
الخطة الأوروبية والمقالات الأيديولوجية الصادرة عن المثقفين والباحثين الأوروبيين تركز على جعل الصراع بين أبناء الشعب التركي، وبالأخص بين المتدينين والعلمانيين، وأن المتدينيين يرفضون نهج أتاتورك العلماني الأوروبي، وبالتالي فإن أوروبا تقف إلى جانب العلمانيين الأتراك ضد المتدينين، وهذه خطة خبيثة وأكاذيب واهية، الخطة الغربية ليست لمساعدة تركيا وإنما لإضعافها، فمن يستهدف تركيا بالانقلاب العسكري بعد التقدم الاقتصادي الذي حصل خلال الخمس عشرة سنة الماضية إنما يقدم خدمة لأعداء تركيا، والذين يستهدفون الاقتصاد التركي بالضرر، إنما يعملون لإعادة تركيا إلى مربع الوصاية الأوروبية.
ويؤكد جول أن النهج الجديد الذي قاده أردوغان منذ خمسة عشر عاما كاد أن يصل إلى استقلال القرار السياسي عن الوصاية الأوروبية، ولذلك فإن الأوروبيين يهددون تركيا بفوائد الوصاية مرة أخرى، من خلال قرار الجمعية البرلمانية الأوروبية بإعادة تركيا إلى درجة المراقبة، قبل أن تُقبل عضواً بالاتحاد الأوروبي، بينما تركيا تريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كدولة أوروبية نداً لدول الاتحاد وليست دولة تابعة له، مثل بعض الدول التي تعد عالةً على الاتحاد الأوروبي.
ويختم جول مقاله بتأكيده: إن الشعب التركي سلك طريق الحرية الوطنية، ولن يقبل وصاية خارجية ولا داخلية، وعلى اوروبا أن تدرك أن اكاذيب صراع الدين والعلمنة في تركيا لم تعد مقبولة، وغير ناجحة لإدخال الشعب التركي في حروب أهلية، فالاستفتاء على التعديلات الدستورية لم يكن صراعاً بين أبناء الشعب التركي على هوية تركيا الحضارية والثقافية والاسلامية، ولا على هوية النظام السياسي العلماني، لأن النظام الرئاسي الجديد بعد النظام البرلماني سيبقى نظاماً سياسياً رئاسياً علمانياً، فمفهوم العلمانية في تركيا يعني المساواة بين أبناء الشعب التركي كله، وعدم التمييز بين أبنائه بكل قومياته إطلاقاً، فالجمهورية التركية هي لكل القوميات التركية، ومن انتصروا على الانقلابيين هم الشعب التركي وليس فئة واحدة منه، وكان فوز الاستفتاء على التعديلات الدستورية لكل الشعب التركي وليست لقومية واحدة منه، ولا لحزب سياسي واحد أيضاً.
