هذه الحقيقة أدركها فتيان سوريا وفتياتها في بداية الثّورة، وعبّروا عنها باللهجة السّورية (ما إلنا غيرك يا الله), وهي على بساطتها وعفويتها تعبّر بحقّ عن حقيقتين: أولاهما أنّ الفاعل الحقيقي هو الله القادر على كلّ شيء، والّذي يقول للشيء كن فيكون، والّذي لا يخذل عباده المؤمنين، ولا يتخلى عنهم، ولا يدعهم نهبا للمجرمين إلّا بالقدر الّذي ينضج تجربتهم، ويصقل شخصيّتهم، ويخلّص نفوسهم من التّطلّع إلى غير الله ( حتى إذا استيأس الرّسل وظنّوا أنّهم قد كذبوا جاءهم نصرنا).
وثانيتهما أنّ العالم اليوم إزاء ما يجري في سوريّة بين فريقين: فريق امتلأ قلبه حقدا على الإسلام والمسلمين، انطلاقا من عقيدة فاسدة، أو ثقافة حاقدة، أو موروث ساديّ تغذّية طائفيّة مقيتة، وأطماع لا تقف عند حدّ، وفريق هان على الله فهان على نفسه، فلم يعد يأبه لشيء إلّا أن ينجو بنفسه، ظانا أنّ سلبيّته تحميه، وتجنّبه أخطارا لا قبل له بها.
سوريّة اليوم ومنذ ما يزيد على خمس سنوات تحترق؛ يُقتّل أهلها، وتدمّر مدنها وقراها، ويهجّر من لم تصله البراميل المتفجرّة، ويبتلع البحر الآلاف من أطفالها ونسائها، ويسام لاجئوها الخسف.
وكلّ ذلك بات اليوم باديا للعيان، بفضل تطوّر وسائل التّواصل الاجتماعي، وتضحيات مراسلي وسائل الإعلام، الذين ينقلون المشاهد المروّعة في لحظتها، وإن كلّفهم ذلك حياتهم ثمنا لإنسانيّتهم. ولمّا كان الشّعب السّوري قد حسم خياراته (الموت ولا المذلة)، وصمّم على مواصلة المعركة حتى نهاياتها، وأبدى من الشّجاعة ما أوغر صدور الطائفيين الحاقدين، والغزاة الرّوس المسكونين بالحقد على الإسلام والمسلمين، فقد صمّم أعداء سوريّة، أعداء الحق والعدل والحريّة على تكريس حكم الأسد- الّذي ما رأينا أسديته وأسديّة أبية من قبل إلا على الشّعب السّوري على قاعدة “أسد عليّ وفي الحروب نعامة” – على أطلال سوريّة، وقبور أهلها، وفي هذا السّياق نفهم جنون الرّوس، الّذين يريدون العودة إلى الثّنائيّة القطبيّة من خلال تسجيل انتصار على إرادة الشّعب السّوري، باستخدام أسلحة الدّمار الشّامل المحّرمة دوليا، بما فيها القنابل الفسفوريّة، والانشطارية، والبراميل المتفجّرة، انطلاقا من قواعدها في سوريّة و”الجمهوريّة الإسلاميّة”!, وقد أغراها الصّمت الأمريكي الّذي لا تفسير له إلّا الرضا بما يجري، والموافقة عليه، لأسباب ايديولوجيّة وتاريخيّة، وأخرى مرتبطة بالكيان الصّهيونيّ، لتصبح الطريق أمامه سالكة لتحقيق أهدافه التّوسّعيّة.
إنّ هذه الجرائم الرّوسيّة والطّائفيّة، في ظلّ العجز العربيّ الّذي هو أقرب إلى التّواطؤ، والصّمت الدّولي المدان, لن تحسم الصّراع، فالشّعب السّوريّ الأبيّ، والشّام بما تمثّل من طهر وقداسة لن يستسلما، ولن يرفعا الرّاية البيضاء، ولن يخذلهما الله، شريطة استكمال عدّة النّصر، إيمانا بالله لا يخالطه شك، ووحدة صفّ تضع حدّا للشرذمة، وقد رأينا ثمار ذلك في معركة حلب الأخيرة، الّتي كسرت الحصار الطائفي والامبراطوري، وألحقت أفدح الخسائر بالغزاة .
بقي أن أقول: إذا صمت النّظام الرّسميّ العربيّ أو اللانظام، رغبة أو رهبة، فما ينبغي للشّعوب الّتي تؤمن بوحدة الأمّة، وبالمصير المشترك لها، أن تنام نومة أهل الكهف، لأنّ كسر إرادة الشّعب السّوريّ – لا قدر الله – سيفتح الباب واسعا للتمدّد الصّفوي، والتّغلغل الرّوسيّ، والتّوسّع الصّهيونيّ، وصدق الله العظيم القائل: ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرّجال والنساء والولدان), وإذا ما كان القتال إلى جانبهم تحول دونه عقبات وعراقيل – أقلّها الاتّهام بالإرهاب – فإنّ في العمل الجماهيري الواسع ما يشكل ضغطا على المعتدين، والمتخاذلين والمتواطئين، وصدق الله العظيم القائل: ( وما تقدّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله).
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات