أمام الوتيرة المتزايدة للتملك والإشباع، وإضفاء الطابع المادي – ليس على الأشياء فحسب بل حتى على الأحياء – لم يعد بمقدورنا إخفاء غربتنا إزاء القيم الأصيلة، واهتزاز وتر الإنسانية بداخلنا على نحو يطمره تحت ركام الجشع والاستحواذ والاندراج الكامل في منظومة الإبقاء على الذات وبعض من نحبهم، ولتذهب البقية إلى الجحيم!
رياح العولمة
هبت رياح العولمة فاقتعلت جزءاً غير يسير من بنائنا القيمي وتآزرنا الإنساني أمام الانحرافات والشرور. فلم يعد الإنسان، في هذا الخضم المهول من التحولات والأحداث، يأبه لغير تأمين نجاته بمفرده، وحيازة ما يضمن انفلاته من قيد المشكلات و الضغوط المجتمعية، مع إبداء لامبالاة قاتلة وحياد عاصف بما تبقى فيه من تعاطف وانشغال بالغير.بل الأدهى من ذلك أن صارت التنشئة الاجتماعية تنحو هذا المنحى، وتؤسس لجيل غارق في عوالمه الافتراضية، ومتمركز حول ذاته ورغباته وأنانيته المفرطة؛ في ظل أنظم سياسية واقتصادية همها الأوحد هو تجريد الإنسان من سموه ومكانته، والدفع به إلى العبودية و الجنون وتدمير الذات.
إيريك فروم: بين التملك والكينونة
في هذا السياق يمكن أن ندرج أعمال الناقد والمفكر الألماني إيريك فروم التي سعى من خلالها إلى التنبيه للأخطار التي تهدد البشرية، وما يولده التغيير المجتمعي الحديث – على كافة الأصعدة – من صراعات وشعور متزايد بالغربة والألم، وضرورة السعي الحثيث إلى بناء مجتمع جديد يسترد فيه الإنسان “إنسانيته”، وتترسخ فيه جذور الأخوة والتضامن والمحبة.
تناول إيريك فروم في كتابه “الإنسان بين الجوهر و المظهر ” ذاك التقابل بين الأسلوبين الأكثر تجذرا في التجربة الإنسانية، وهما أسلوبا التملك والكينونة، وبين كيف أن المجتمع الصناعي الحديث – من خلال مفاهيم الملكية والسلطة والربح – انحاز إلى التملك على حساب الكينونة، وحرص على تشكيل القناعات ومعايير السلوك التي تجعل منه مسلكا حياتياً وحيداً.
سجن الممتلكات!
إن متعة الإنسان المعاصر هي تطويق كل شيء بسلوكه التملكي، وذاته لا يمكن أن تتحدد إلا بمقدار ما ينسبه لها من أشياء وأحياء ومشاعر.وبذلك يصبح سجين “ممتلكاته “مما يتطلب تحريره وتوجيه طاقاته الإنسانية لاستخدام مثمر، يتسم بالاستقلالية و الفاعلية والعقل النقدي. تلك هي سمات الكينونة التي يعتمدها فروم نموذجا لمدينة فاضلة لا يكون هم الناس فيها إشباع الحد الأقصى لدوافعهم الشهوانية، بل ممارسة نعمة الحياة الطيبة الصالحة .
إن فروم، وهو يرسم لوحة قاتمة لإنسان مجتمع الوفرة في الغرب، يُمدنا بأفكار واستنتاجات تحدد أسباب التراجع القيمي وانعكاساته، وتبدد وهم السعادة الذي يروج له التقدم الصناعي والتكنولوجي. فالهوة المؤلمة بين الأثرياء والمعدمين تتعاظم، ومجموع المتع والملذات التي تسوقها النزعة الاستهلاكية المفرطة لا يمكن أن تشكل غاية للوجود الإنساني!
نزعة التملك المفرطة
لقد تمددت نزعة التملك في المجتمع بصورة مفرطة, وشملت جميع الأعمار والمستويات. إن التملك، يقول فروم، حين يصبح هو الشكل الأساسي للعلاقة بالعالم فإن غاية الطفل من التعلم – مثلاً – تكون هي الاستماع للكلمات وفهم معناها وبنائها المنطقي، ثم تسجيلها حرفياً لأجل حفظها واجتياز الامتحان بنجاح. بمعنى أن المحتوى التعليمي لا يصبح جزءاً من النظام الفكري للطفل لأنه إنما يحفظه لتثبيته في الذاكرة لا ليوظفه في إنتاج وابتكار شيء جديد، لذا لا يخفي اضطرابه أمام آراء أو أفكار جديدة تسائل الكم الثابت من المعرفة التي حصلها.
ويصبح تفوق الطالب وانتقاله من مستوى تعليمي إلى آخر رهيناً بحجم “الملكية الثقافية ” التي حصل عليها، أي الحد الأدنى من المعارف المقررة مع امتياز الترديد بدقة .وهنا تجدر الإشارة إلى أن أهم أسباب أزمة القراءة في مجتمعاتنا يرجع بالأساس إلى الطريقة التعليمية الخاطئة،التي تحد من قدرة الطفل على التفاعل مع النص، والنفاذ ببصيرته لاكتشاف أشياء جديدة.
ويتضح الفارق كذلك بين الأسلوبين في مجال المعرفة حين ينكمش مدلولها الوظيفي أمام هاجس الكم، وتصبح عبارة ” أنا أملك قدرا من المعارف “بديلا لعبارة ” أنا أعرف”.
كيف تتعلم لتكون؟
الأمر مرتبط حتما بتشكل قناعات جديدة لدى الأسر قوامها التعاون لا التنافس المدمر، والسماح للطفل بالاندماج في الحياة الاجتماعية من حوله، بدل تعزيز انسحابه إلى عالم افتراضي بذريعة الحماية المفرطة والمخاوف تجاه الآخرين. إن التعلم وفق أسلوب الكينونة كما يقدمه فروم يتيح للأطفال استقبال الأفكار والتجاوب على نحو مثمر ونشيط، ويساعدهم على تجاوز سجن الذات للتعبير عن ملكاتهم ومواهبهم واستخدام طاقاتهم الإنسانية.
إنه المدخل إلى المعرفة بمعناها الوظيفي والسعي للاقتراب من الحقيقة وتبديد أوهام البيئة الاجتماعية التي يحيونها، وهو ما يقتضي رفع جملة من التحديات التي كرست حالة من القصور شبه الدائم في منظوماتنا التربوية.
تحديات يستعرضها الدكتور نبيل علي بإيجاز في مؤلفه ( الثقافة العربية وعصر المعلومات ) كالآتي :
– إضفاء الطابع الشخصي على عملية التعليم ، وذلك بتطويع المناهج و الطرائق والبرامج لتتلاءم مع الحاجات الفعلية لكل متعلم، والتقدير الفعلي للموهبة والكفاءة في الأمور الحياتية بصفة عامة .
– تنمية ملكة الحكم على الأمور وإدراك البدائل و الخيارات المتاحة لمواجهة تشعب مسارات الحياة.
– تنمية الشعور بالمسؤولية الفردية وتجاوز حالة السلبية .
– تنمية الإبداع و الخيال، وهي من أصعب المهام التربوية لما تتطلبه من مناخ ملائم وأدوات مناسبة.(ص322)
نحو استراتيجية تعليمية متميزة
وتتردد السمة الأساسية لنموذج الكينونة، أعني الاستخدام المثمر للطاقة الإنسانية، على نحو ملحوظ في بعض الكتابات التربوية الحديثة التي جاءت وليدة المخاض العسير في مسار التنمية، والأزمة المترتبة عن الازدواجية بين الخطاب التعليمي والواقع . ففي “الرؤى” التربوية والتعليمية التي أصدرها الدكتور حسن شحاتة منذ ثماني سنوات تحديدا تحضر سمات وشروط الكينونة ضمن نسق منظومي يُخضع متطلبات العولمة لبوصلة الهوية الثقافية، ويؤسس لاستراتيجية تعليمية متميزة تجمع للطفل بين ثقافة الذاكرة وثقافة الإبداع.
وفيما يلي أهم القضايا المتصلة بنمط الكينونة :
– تحقيق ثلاثية التربية الوالدية ممثلة في تعريف الوالدين بالطرق الحديثة لتربية الطفل قبل التحاقه بالمدرسة، وضرورة التعاون الوثيق مع المدرسة، ثم الإسهام الفاعل لمنظومة الإعلام في ترسيخ فكر تعليمي جديد.
– الاهتمام بممارسات التعلم الإيجابي ، كالقيام بمشروعات عملية، والتعلم التعاوني، والتساؤلات السقراطية، والرحلات التعليمية الميدانية، وإجراء التجارب وغيرها..
– الارتباط بالعالم الحقيقي من خلال إكساب الطفل مهارات الحياة، ومهارات متعلقة بالمشروعات الصغيرة، وإدارة الأعمال البسيطة المنتجة، وصنع القرار بمشاركة المعلم.
– صناعة العقل المفكر من خلال تبني مناهج دراسية تشجع على التفكير العلمي والناقد والإبداعي، وتحفز التحدي المعرفي والعقلي باستخدام مهارات التفكير المتشعب، وحل المشكلات غير النمطية، التركيز على المشكلات الحياتية الأكثر تعقيدا .
– تطوير التعليم حتى يصبح للحياة وليس للامتحانات، وتطوير الامتحانات لقياس القدرات العليا والقيم الأخلاقية والمهارات الحياتية، والانطلاق بالممارسات التعليمية نحو ترسيخ ثقافة الإتقان وثقافة الجودة الشاملة.
إن جوهر الكينونة كما عرضه فروم صرخة مفكر عاين طبيعة الكارثة، فانبرى لوضع إطار توجيهي يكفل تصحيح المسار، والعاقل – كما تقول العرب – من يتعظ بغيره!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات