علامات أونلاين

د.عبد العزيز الحاج مصطفى يكتب: النخب السورية وسقوط القيمة

عبد العزيز الحاج مصطفى

تُعرّف القيم؛ بأنها المنظومة الأخلاقية، التي لها معاييرها الخاصة التي تمتاز بها والتي تعارف عليها الناس، عبر تاريخهم الطويل. والخروج عليها يعد بمثابة الأزمة التي تتعرض لها الأمة، فتؤدي إلى خلخلة في البنى الاجتماعية، وإلى مشاكل كثيرة غير محسوبة، وأحيانا أخرى تؤدي إلى تدميرها. يستوي في ذلك الناس كافة,  وهي نتيجة حتمية لسلوكياتهم، التي أدت إلى ماحل بهم.

وتتمايز المجتمعات الإنسانية من بعضها بأصالة تلك القيم، وكونها الأصلح. ويكون الخلل عادة في الخصوصيات الناشئة، التي تميز المجتمعات بعضها من بعض. ويرادف الخصوصيات تنوع الثقافات وتعددها، وكذلك تعدد المفاهيم. وهذا بدوره يقود إلى تباين أفقي وعمودي في العلاقات العامة, ومن ثمّ إلى الاختلاف؛ حيث تبرز المشكلة. ومع بروز المشكلة؛ تنشأ الأضرار التي تعرض الإنسان للخطر؛ كأن تُهدر حقوقه، وتسلب حرياته، ويغدو عرضة لعدوان الآخرين عليه.

والمجتمع السوري ليس بدعا في هذه المسألة، وقد كان قبل هذا التاريخ جزءًا من منظومة أوسع، وعالم أكبر. ثم مع نهاية الحرب العالمية الأولى، طالته فؤوس سايكس، ووعود روتشيلد، وسياسة كامبل واقتراحات هرتزل؛ فداهمه التغيير من كل جانب، ولم يكن يومئذ على بينة من أمره, فرتع في ذلك؛ من حيث يدري ولا يدري؛ الأمر الذي أدى إلى سقوط القيمة عنده، وإلى خلل في منظومته الأخلاقية التي كان يمتاز بها من سواه. وهذا هو وجه المشكلة في سورية الحديثة، التي باتت تعاني من سقوط القيمة، أكثر مما تعانيه، من هجوم الأعداء عليها.

كانت المنظومة الأخلاقية التي امتلكها المجتمع السوري قبل الحرب الأولى, إسلامية خالصة, تتمثل بالقيم الإسلامية التي تنظم حياة الإنسان، وتجعله في مأمن من عدوان الآخر عليه. فالدماء والأعراض والأموال  مصونة، والحدود قائمة، ولايتعداها إلا الجناة. والمسارعة إلى الخيرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة العدل و المساواة؛ ليس من المتعارف عليه حسب؛ وإنما هي أمور تعد من خصوصيات الأمة؛ وهذا ماجعلها مُهابة، ولها سلطانها على الجميع، بالرغم من الجنايات أو الجنح التي وقع فيها بعضهم.

كان هذا كما يقال أيام زمان؛ وأيام زمان قد ترجع إلى صدر الإسلام, وقد تمتد إلى العصور الوسيطة؛ فالمنظومة الأخلاقية كانت حاكمة ولم يداخلها الخلل إلا مع بداية العصر الحديث وبروز المشكلة، في سورية الحديثة, حيث بات الخلل واضحا ومقروءا من قبل العامة والخاصة.

فالمعروف أن أول كلمة نزلت من القرآن هي كلمة (إقرأ), وهي الكلمة الأولى في الآية الأولى من سورة “العلق” قد تبعها في الآية الرابعة من السورة (الذي علّم بالقلم). وهنا إشارة واضحة إلى القراءة والكتابة، وإلى أهمية ذلك في حياة الإنسان. وإذا كانت القراءة ينظر إليها على أنها تمثل صلة الوصل بين القديم والحديث، وعلى امتداد الزمان، فإن الكتابة بمثابة الماعون الأوسع، الذي حفظ قديم الإنسان وحديثه، ومنظومته الأخلاقية التي امتاز بها خلال تاريخه الطويل.

ما أصاب العرب

والمعروف أيضا أن الذي أصاب العرب بعامة، في أقطارهم المختلفة، ومنها سورية، مشكلات ثلاث:

1- أنهم عادوا إلى أميّة؛ بعد أن كانوا من أمة اقرأ, والأمية سمة جاهلية، وسمة الأمم المتخلفة، التي تعد أدنى مستوى في التعلم. والعرب منذ العصور الوسيطة آل أمرهم إلى جاهلية، وإلى تخلف مقيت، وقد انشغلوا بثاراتهم  وعداواتهم، حتى بات الحديث عن جاهلية القرن العشرين من المسلم به في أوساطهم، وقد باتت خصائصها تشغل الجميع.

2- أنهم غرقوا في الجهل والتخلف: بسبب انقطاعهم عن تاريخهم، وعدم إمكانية العودة إلى تراثهم، فتاهوا، بعد أن ضلوا وأضلوا. وعلى هذا كانت سلوكياتهم المتأخرة، وماأغرقها في الجهل, وما أرتعها في الضلال, و ما حلّ في سورية بعد 2011م، يقيم الدليل على ذلك.

3-  وقوعهم في أسر السياسات الخاطئة – داخلية و خارجية – وما أكثرها, وقد أصبحوا يخوضون المعارك الخاسرة؛ الواحدة تلو الأخرى؛ دون أن يستطيعوا معرفة الأسباب التي أدت إلى خسارتهم، غير متعظين من النتائج التي قد تترتب على تلك الخسائر. و بسبب من ذلك أصبح المجتمع السوري واقعا في أسر مرحلتين مختلفتين، إحداهما أشد ضراوة من الأخرى.

المرحلة الأولى؛ هي المرحلة التي مر بها المجتمع السوري مع مطلع القرن العشرين ومابعد: وتعرف بمرحلة الاستعمار، وقد امتدت من 1918م إلى 1946م. وقد كان الذي حدث أن ماهم فيه من أمية وجهل وتخلف وبعد عن موروثهم التاريخي، أوقعهم في أسر سياسات الجنرال جورو، التي كانت تخطط – وعلى المدى البعيد – من أجل شرذمة السوريين، وإشغالهم بمشاكلهم، وجعلهم غير قادرين على التخلص منها. والمعروف أن جورو وخلفاءه من بعده، تبنوا السياسة الطائفية، ولم يخرجوا من سورية إلا بعد أن وضعوا في رجلها القيد الطائفي الغليظ، الممثل بقوات المشرق الخاصة التي تحولت بعد سنة 1946م، إلى الجيش العربي السوري.

أما المرحلة الثانية, فهي منذ الاستقلال الذي يعود تاريخه إلى 17 إبريل/نيسان 1946م ولاتزال قائمة, وقد مثلت – وعلى المدى البعيد – تحقيقا عمليا للسياسات المعدة مسبقا، التي أدت بشكل نهائي إلى انهيار البقية المتبقية من المنظومة الأخلاقية التي كانت عليها الأمة سابقا، وإلى السقوط الحضاري الذي كان بمثابة سقوط القيم في سورية كلها, فأصبح المجتمع السوري يتحرك غريزيا، وقد عَدِم الدافع باتجاه ماهو أحسن، بسبب انقطاعه عن تراثه، وعن ماعونه الحضاري الذي كان يأخذ منه, وعن دينه وأخلاقه وقيمه الحضارية العامة والخاصة.

ومع ذلك؛ فلسقوط القيمة في سورية الحديثة أسباب ثلاثة:

وعن هذه الأسباب مجتمعة نتجت أمراض اجتماعية قاتلة تأذت منها المكونات بعامة، وعانت منها النخب المثقفة، وقد أدى ذلك إلى النتائج التالية:

رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

   

Exit mobile version