مع حلول الذكرى العاشرة لمذبحة القرن، مذبحة رابعة، لا نريد أن نجعل منها بكائية ولطمية كربلائية، كما يفعل الشيعة في يوم عاشوراء، فرابعة ميزت بين فسطاط أهل الإيمان الحق، وبين فسطاط أهل الزيغ والضلال والنفاق، وفضحت أدعياء السلفية والديمقراطية والليبرالية ودعاة حقوق الإنسان، ونزعت عنهم آخر أوراق التوت، التي طالما تستروا وراءها، وكشفت عن كم الخيانة والعمالة لأناس كنا نحسن الظن بهم، من شيوخ السلاطين، والإعلام المضلل المطبل المأجور وغيرهم.
لأن من شأن سفك الدماء أن يصنع جروحاً لا تندمل، وثارات يصعب نسيانها، فالقتل جريمة عظمى وعدوان كبير، خاصة إذا كان بحق أبرياء يريدون التعبير عن مطالبهم المشروعة بطرق سلمية، من أجل ذلك كانت الضروريات الخمس التي أوصت الشريعة بالحفاظ عليها ورعايتها وهى حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العرض، وحفظ المال، وحفظ النسل، ومن حفظ النفس حفظ الدماء من أن تهدر وتسفك بغير حق.
قال الله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) سورة النساء: الآية 93 .
وعن البراء بن عازب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق” رواه ابن ماجة في سننه.
وكل من لم يستنكر قتل الأبرياء فهو شريك في الجرم، ومن أعان القاتل بقول أو فعل أو مال أو إشارة أو تسويغ فهو شريكه.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة؛ لقي الله عز وجل مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله» رواه الإمام أحمد في مسنده.
وسيبقى شهداء رابعة، شهداء الحق، الذين دافعوا عن الدين والوطن والحرية والكرامة الإنسانية، بذلوا أرواحهم رخيصة حسبة لله تعالى، لاينتظرون جزاء ولا شكورا من أحد.
وإلى كل من ظن أن الباطل انتصر وانتفش وصارت له الغلبة فليراجع نفسه لأن من ظَنَّ انتصار الباطل على الحق انتصار دائما وفي كل الاوقات فقد أساء الظَنَّ بالله. كما قال ابن القيم رحمه الله.
فقد مات أصحاب الأخدود فانتصرت مبادئهم من بعدهم، غلام كان موقفه سببا في إيمان أمة، حين قتل الغلام والراهب وجليس الملك، جرب الملك مع الغلام وسيلتين للقتل فنجا منهما، فدعا الملك أن يربطه بجذع نخلة ويجمع شعبه كله في صعيد واحد، ثم يطلق السهم ويقول باسم الله رب الغلام، ففعل الملك وأصاب السهم صدغ الغلام، فسقط شهيدا فقال الناس أجمعون: آمنا بالله رب الغلام ولم يكن موقف الغلام دافعا إلى إيمان أمته فحسب، بل دفعها إلى الإصرار على هذا الإيمان، حين شق لهم الملك الأخاديد وأضرمها بالنيران وخير شعبه بين الرجوع عن دينهم أو الإلقاء في النار، ففضلوا جميعا أن يلقوا في النيران على أن يرجعوا عن الحق الذي آمنوا به ، كما خلد القرآن قصتهم في سورة البروج .
وحدث بعد غزوة أحد، أن طمع الأعداء في المسلمين، فقدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معهم نفرا من أصحابه، فقتلوا وفد رسول الله- صلى الله عليه وسلم – جميعهم، وكانوا ستة من القراء.
ثم بعث رسول الله أصحاب بئر معونة، على رأس أربعة أشهر من أحد، وقتل فيه سبعون صحابياً من خيار المسلمين غدراً وخيانة.
بلاء على إثر بلاء، ولكن الدعوة مستمرة، والمنهج محفوظ، يختار الله من يشاء من المخلصين إلى جواره، وتبقى بقية القافلة في سيرها إلى الله كما أمرها الله.
ومع كل ما حدث من قتل وسفك للدماء في رابعة وأخواتها من مذابح، فلا مجال لليأس والقنوط والإحباط، لأن اليأس أخو الكفر كما قال تعالى: (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [سورة يوسف: 87]
فإذا رأيت الليل يسّود ويسّود، فاعلم أن الفجر قريب. وإذا رأيت الحبل يشتد ويشتد، فاعلم أن انقطاعه قريب. وإذا رأيت الكرب يحتد ويحتد، فاعلم أن الفرج قريب.
فإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا، ومن يدري أن هذه المحنة تنطوي على منحة ربانية كبرى، وفتحا ونصرا للإسلام والمسلمين!
د. عز الدين الكومي يكتب : رابعة أمل ويقين
