لا يأخذنا الانتشاء بنصرٍ مزعوم بالمبالغة في التعبير عن الفرح في حرائق إسرائيل على مواقع التواصل الإجتماعي، ونقيم الاحتفالات والتهاني، فرحاً بنصرٍ خاطف وسريع لم يتحقق بسواعدنا، فضلاً عن أنه لم يتحقق أصلاً، وكأن السماء تمطر ذهباً وفضة.
لا أحجر بالطبع على الفرح لا سيما في زمن اليأس والعجز والقهر، في الوقت الذي تضن فيه الانجازات والانتصارات على أشباه بلادنا المنكوبة، لكن أبشركم بأن إسرائيل الكافرة لن تحترق, وستعود أقوى من ذي قبل, ولن تسقط إلا بالجهاد كما وعدنا الله ورسوله في الكتاب والسنة.
كثر الحديث خلال الأيام الأخيرة عن العقاب الرباني والغضب الإلهي على الدولة الصهيونية الفاجرة جزاء منعها الأذان في القدس، وكأن ما اقترفته بحق الفلسطينيين قبل وبعد النكبة من تقتيل واحتلال وحرق لم يكن كافياً لينزل عليها غضب الله ونقمته وعذابه!، وكأن الله لم يعاقب المسلمين بالفقر أو ألبسهم لباس الخوف والجوع والقهر إما عقاباً أو ابتلاءً، ذلك أن غضب الله يصيب المسلمين وغير المسلمين، أما الابتلاء على حد علمي المتواضع فللمسلمين وحدهم ليميز الله الخبيث من الطيب.
فكم من بلاد المسلمين قد التهمتها النيران وأكلتها الحرائق، فقد ابتلى الله المسلمين بالهزيمة, وحولهم, وبينهم, النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعد 3 سنوات من الهجرة، وبعد نصر عظيم في غزوة بدر الكبرى, لأنهم خالفوا أوامر قائدهم الرسول, وبالتالي لم يأخذوا بأسباب النصر رغم أنهم خير البشر على الاطلاق ومن أهل الجنة رضي الله عنهم ورضوا عنه، فكان لابد من درس الهزيمة التي تعيد كفة الميزان بأن النصر لن يتأتّى إلا بالعمل وعدم التواكل على موعود الله بالقعود والعصيان.
وابتُلي الملسمون بالقحط والجوع فيما سُمّي بعام الرمادة حيث وقعت بالمدينة وما حولها من القرى مجاعة شديدة، وكان ذلك في سنة 18هـ بعد عودة الناس من الحج، فحُبس المطر من السماء وأجدبت الأرض، وهلكت الماشية، واستمرت هذه المجاعة تسعة أشهر، حتى صارت الأرض سوداء فشبهت بالرماد، وكان ذلك في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وبينهم خيرة الصحابة الكرام من خير البشر بعد الرسول على الإطلاق.
حرائق إسرائيل منحة بالمقارنة لمحنة ونكبة العراق المسلم حينما اجتاح التتار الهمج بغداد؛ حاضرة الخلافة الإسلامية آنذاك فأحالوها ركاماً بعد عين، وأشاعوا فيها القتل وإراقة الدماء والخراب والدمار، وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وأحرقوا الحرث والنسل حتى لم يبقَ في بغداد حجر على حجر، وكانت محنة اجتياح بغداد غضبًا من الله عندما تمكنت الدنيا من قلوب المسلمين في بغداد، وأولهم الخليفة، فها هو خليفة المسلمين يسهر بين الغواني ليلة الاجتياح يلهو ويلعب، وكأن الله سينعم عليه بالنصر وهو في فراش الهوى!، فكانت الهزيمة نتاجًا للبعد عن منهج الله.
واليوم هان المسلمون على أنفسهم فهانوا على أعدائهم، فبلادنا تتشرذم وتحترق ظلماً وتقتيلاً وقهراً وإبادة جماعية وتطهيرا عرقيا للجنس المسلم على يد من ينتسبون للإسلام قبل أعداء الإسلام أنفسهم.
لست أنفي فرحي مما يحدث للدولة الصهيونية من منطلق عقائدي ونفسي، لكن ما أخشاه أن يتحول الفرح إلى غاية تمنّي فناء إسرائيل بالغضب الإلهي فقط ونحن قُعود، ولا ينبغي أن يتوقف الأمر على مجرد الفرح وتبادل التهاني عبر فيسبوك وتويتر بعرض مشاهد وصور الحرائق، وانتظار نهاية إسرائيل بضربة الحرائق القاضية، فهذا تسطيحٌ للقضية من قبيل السذاجة المدمرة، ذلك أن إسرائيل الفاجرة لن تزول الآن وستبقى وتتمدد وتتجبر أكثر من ذي قبل، لأنها أخذت بأسباب القوة المادية والعلمية الدنيوية مستغلةً ضعف وهوان المسلمين، حيث أن ما يحدث في إسرائيل الآن كشف عن مدى عجز الأمة شعوباً وأنظمة في ظل الهزائم التي نعيشها يومياً على المستويين العام والخاص.
نحن أمة متواكلة عاجزة لا تأخد بأسباب النصر والتمكين، وتصطنع نصراً لنفسها جاهزاً لا تستحقه، بيد أنه يبقى جانب إيجابي مهم للحدث لا ينبغي إغفاله، فقد كشفت الحرائق أنه لا تزال إسرائيل العدو الأكبر للعرب والمسلمين في الذاكرة الحية رغم كل محاولات تزييف الوعي الجمعي للأمة بالدفع نحو التطبيع والدخول في بيت الطاعة الصهيوني رغم أنوفنا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات