نعم بهذه السهولة!
لا أستطرد هنا في كمية الظلم الشديد الذي تعرضت له، بناءً على اشتباه في اسم مواطن بدولة يكاد كل مواطنيها يكونون متشابهين في اسم أو اثنين وربما أكثر!.
ولا أستطرد في المآسي التي عاينتها داخل سجون وأقسام مصر بدءاً من مطروح، وكوم الدكة مرورا بدمنهور والخليفة في القاهرة، وصولا إلى محل إقامتي بالمنصورة.
على أن كثرة المآسي التي رافقت الرحلة، ومرارة التجربة لم تخل من نفحات ربانية، وعطايا إلهية، ومنح قدسية لا زالت تغمرني حتى الآن.
فقد رافقت عددا من عتاة الإجرام في مصر خلال تلك المدة الزمنية، وعايشت أكابر الفاسدين والمفسدين في الأرض، مابين مسجل خطر، وقاتل، وسارق، بل إن الذي قٌيد معصمه في معصمي بـ”الكلابش” قاتل لثلاثة من البشر!.
أحوالٌ شتى عشتها داخل السجن، حالة من الألم والأمل، وحالة من الثقة بفرج الله، وحالة من انتظار الفرج، فكان مع الدمعة بسمة، وكان مع الخوف أمن، ومع الفزع سكينة.
لقد كانت الصورة الذهنية المنطبعة لدي عن القاتلين والسارقين وفاعلي الموبقات والجرائم أنهم معدومو الإحساس، ليست لهم قلوب كقلوب البشر الأسوياء، وأن مكانهم المناسب هو السجن بعيدا عن الآخرين.
غير أن المدة التي قضيتها في السجن مع بعضهم غيرت لديّ هذا التصور بشكل كبير، فمن خلال التعايش اليومي، وتبادل الحكاوي والقصص أدركت أبعادا أخرى لم تكن لتتوفر لي لولا تلك المحنة الشديدة.
حسن .. اسم لسجين رافقني خلال عملية الترحيلات وقضيت معه أياما، سألته ذات مرة لماذا أنت هنا؟
فأجاب لأني قتلت ضابط شرطة!
قلت له: لماذا قتلته؟
فأجاب قائلا: لقد تركني أبي منذ أن كنت صغيرا، ورحلت أمي مع زوجها، وصرت وحيدا في الشارع، أتكسب بالحرام تارة، وبالحلال تارة، إلى أن قررت أن أعمل عملا شريفا فاشتريت (عربة خضار) وبدأت أتكسب منها، غير أن الاستمرار في هذا العمل كان مرهونا بدفع رشوة لضابط المرافق حتى يتركني أبيع ما لدي من منتجات على قارعة الرصيف. وفي ذات مرة امتنعت عن الدفع فأمر بتحطيم العربة وما عليها من خضار وفاكهة، فترصدت له وقتلته!.
كثيرة هي القصص التي حكيت لي، وعندما فرغت نفسي واستجمعت جهدي لسبر أغوار تلك النفوس المهمشة، التي لا يلتفت إليها أحد من الناس كان بكائي أكثر من ضحكي، وضجرت كثيرا من نفسي .. ومن المجتمع.
عاهدت نفسي أن أزور من أستطيع منهم، وبالفعل علمت بخروج أحدهم فقمت بزيارته في بلدته، فلم يتمالك نفسه من الفرحة، ولم تهدأ نفسي من وقتها!
إن الذي صنع من (حسن) مجرما قاتلا هو أبوه وأمه، ومن تسبب في تخريج دفعات متتالية من المجرمين مدرسةُ المجتمع منزوع الإحساس والمسؤولية؛ المجتمع الذي يعاير الفقير بفقره، والمريض بمرضه، وصاحب العاهة بعاهته، والطفل اللقيط بجرم لم يرتكبه.
حدثوني بالله عن نظرة المجتمع للطفل الذي وُجد من علاقة آثمة خارجة على الشرع والقانون، وما الذي ارتكبه هذا الطفل حتى يعير من الجميع صغيرا وكبيرا!
لماذا نظلم الشباب المتحرش، ولا نوجه اللوم لذلك الأب وتلك الأم التي سمحت لبناتها أن يخرجن إلى الشارع متبرجات، عاريات، وصرن كطعام شهي لذئاب مفترسة تربت على أفلام السبكي.
إن من متطلبات الإدارة الرشيدة للدولة والتي تساهم في تعزيز مكانتها فاعليةُ المجتمع المدني وحركية مؤسساته، ذلك أن مؤسسات المجتمع المختلفة تقوم بأدوار مهمة للغاية حتى عند غياب الدولة، فالذي حافظ على مصر فترات طويلة من الضياع والانهيار المادي والقيمي حيويةُ المجتمع، وبفقدان تلك الحيوية تعرت دولة 23 يوليو على سبيل المثال!
فإذا كانت الحرب مستعرة على مؤسسات الدولة الاجتماعية من جمعيات ومنظمات وأحزاب تساهم في بناء المجتمع وزيادة تماسكه، فلا تنتظر ترسيخا لقيم، ولا دفعا لشر، ولا وصولا لبر!
لا تنشغلوا بهدير، وركزوا في القضايا التي تقضي على ظهور هدير أخرى، وقرروا من الآن كيف ستتعاملون مع طفلها على نحوٍ لا يهين كرامته ولا يضعف اعتزازه بدينه ووطنه، حتى لا يكون عدوانيا.
