لا مؤشرات في الأفق عن قرب حل الأزمة الخليجية .. هذا ما خلص إليه سايمون هندرسون، مسؤول برنامج الطاقة والخليج في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى في تقرير أعده بهذا الخصوص بعد رحلة خلال الأسبوعين الماضيين إلى لندن والبحرين وأبو ظبي ودبي.
وجاء في تقريره الذي نشرته مجلة “فورين بوليسي”: إن الحصار الذي يفرضه الرباعي (السعودية والبحرين والإمارات ومصر) على دولة قطر منذ يونيو يتجه نحو التشدد من دون التفكير في أن المستفيد من إطالة المواجهة هي إيران التي تعد عدوا مشتركا للجميع، بمن فيهم قطر، وما سيتركه الخلاف على السياسة الأمريكية في الخليج، ومظهر الوحدة بين دول مجلس التعاون الخليجي.
وقال: إن الرسائل المشوشة التي صدرت عن واشنطن أثرت في منظور الحل، فمن جهة؛ قام وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون يساعده وزير الدفاع، جيمس ماتيس بمحاولات حثيثة لجمع الأطراف وحل الخلاف.
فيما ظل الرئيس ترامب حتى وقت قريب ميالا إلى الجانب السعودي، لكنه شعر بالضيق لتخريب جهوده الأخيرة وترتيب مكالمة بين أمير قطر وولي العهد السعودي، حيث لام كل طرف الآخر على فشل الوساطة.
وبرغم ارتباط الأزمة بسلسلة من “الآثام” التي يزعم الرباعي أن قطر ارتكبتها وقائمة المطالب الـ 13 إلا أن هذا هو الشرق الأوسط، فـ “الأنا المتنافسة تلعب دوراً مهماً”.
ويقول إن الشخصيات التي تتسيد الأزمة هي ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان وحليفه وأستاذه محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي, على حد تعبيره، أما على الجانب الآخر فهناك أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد، الذي تقلد الحكم بعد والده الذي كسر التقاليد العربية وتنحى عن الحكم قبل أربعة أعوام لمصلحة ابنه.
علاقات عامة
ويشير الكاتب إلى أن المعركة الحقيقية لا تبدو من خلال الحصار المفروض على قطر دبلوماسياً واقتصادياً وإغلاق المعابر الجوية والبحرية والبرية بل في مجال العلاقات العامة، حيث تنفق ملايين الدولارات, ويمكن مشاهدة الدعاية المعادية للدوحة بشكل مستمر على شبكة “سي أن أن” وقد كانت واضحة في نيويورك أثناء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا.
ويقول إن رحلته إلى لندن في 14 سبتمبر كانت من أجل المشاركة في مؤتمر “قطر للأمن والاستقرار” الذي نظمته المعارضة القطرية ودعمته على ما يبدو السعودية والإمارات.
ويعلق: قدم أحدهم تمويلاً كبيراً، والإجراءات الأمنية كانت مشددة من دون داع، فلم تكن هناك تظاهرات مؤيدة لقطر وكان البرنامج حافلاً مثل الملف السميك الذي قدم للمشاركين.
وأشار لزعيم المعارضة الذي نصب نفسه وهو رجل الأعمال خالد الهيل الذي كان كما يقول جاهزاً للحديث عن الإخوان المسلمين الذين يعيشون في الدوحة.
وعلق بأن أهمية المعارض ليست كبيرة برغم الاهتمام الذي حظي به وتوفير حارسين له.
وكان نائبه الذي حمل شارة “ضيف” علي الدنيم، الذي قدم نفسه على أنه ضابط استخبارات سابق، وكان وفياً لمهنته السابقة حيث رفض الحديث.
وعن الحضور قال إنه ضم عددا من السياسيين البريطانيين السابقين الذين لم يعرف عنهم اهتماما سابقا بقطر, وعدد من الأمريكيين بل وإسرائيليين تمت دعوتهم قبل ثلاثة أيام من المناسبة.
وأشار إلى أن من بين المدعوين دوف زاخيم، المسؤول السابق في البنتاجون وبيل ريتشاردسون، سفير أمريكا السابق في الأمم المتحدة وجنرال جوي متقاعد هو تشاك وولد, والمتحدث باسم وزارة الخارجية السابق جيمس روبن، والصحفي في “بي بي سي” جون سيمبسون الذي أدار مقابلة مع مراسل “الجزيرة” السابق محمد فهمي.
وكما كان متوقعا, عبر اللقاء عن رؤية أحادية، ويعلق الكاتب بأن هدف المؤتمر كان من أجل تشكيل النقاش لا الدعوة للتحرك.
وعندما سأل أحد المنظمين عن تغيب الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني رد بأن حضوره “هذا أمر كبير“!
في المنامة
بعد يومين كانت الأزمة القطرية موضوع نقاش في مؤتمر اقتصادي مشيراً إلى أن نشر أي شيء مؤيد لقطر فيها يعد غير قانوني.
وفي ذلك اليوم نشرت “جلف ديلي نيوز″ التي تصف نفسها بـ “صوت البحرين”، مواد معادية لقطر على صفحاتها الثلاث الأولى.
وعلى الغداء عبر أحد أعضاء العائلة الحاكمة في البحرين عن ثقته من تراجع قطر, وكان تعبيراً عن اعتقاد وليس نقاشاً عقلياً؛ فالفرق بين الكلام والواقع كان واضحا عندما سافر على متن طيران الخليج إلى دبي حيث شاهد خريطة الرحلة التي تمر شمال قطر.
وعلق إن البحرين تمنع الطيران القطري من استخدام أجوائها ولكنها استثنت خطوطها الجوية ورسمت مجالاً خاصاً بعد إعلان الحصار لتخفيف أي ضرر.
وبالمقام الأول لا تزال المكيفات عاملة في دبي لأن قطر لم تتوقف عن توريد الغاز الطبيعي عبر أنابيب الغاز التي تزود محطات الطاقة الكهربائية الإماراتية.
توقيت الأزمة
وعند سؤاله بعض مراقبي الشأن الخليجي عن توقيت الأزمة، وإن كانت مرتبطة بزيارة ترامب للمنطقة في مايو قالوا إنها كانت ستحدث في أي وقت حيث كان الطرفان يحضران للمواجهة.
فقد عرفت الإمارات قبل أسابيع – حسب “واشنطن بوست”- كيفية اختراق وكالة الأنباء القطرية ونشرت أخباراً كاذبة مؤيدة لإيران وبالمقام ذاته تم اختراق بريد يوسف العتيبة، سفير الإمارات في واشنطن.
الجانب الاقتصادي
ويعلق الكاتب إن استمرار الأزمة سيترك آثاره الاقتصادية على الجميع، فقطر بحاجة لاستكمال التحضيرات لكأس العالم 2022 وقد عرقلت الأزمة وصول المواد الخاصة بالبناء, أما المواد الغذائية فتأتي من إيران وكذا عبر عمان والكويت.
ويعاني الاقتصاد البحريني من عجز ولكن السعودية قد تغطيه.
فيما تحضر دبي لمعرض “إكسبو 2020″ ويخشى حاكمها محمد بن راشد من أن تؤثر الأزمة القطرية في “ماركة دبي”، التي تم تسويقها على أنها مدينة ترحب بكل الأجانب من أصقاع العالم ومكانا للترفيه والسلام والأمن.
أما السعودية التي أغلقت الممر البري الوحيد مع قطر فربما تأثر تجارها ولكنهم ساكتون.
من يتنازل؟
في نهاية الأمر ينحصر الأمر باللاعبين ومن “يرمش أولاً”؛ بن زايد، بن سلمان أو تميم.
فمحمد بن سلمان، 31 عاماً واثق من قراراته السياسية كلها إلا أنه في النهاية لا يريد تعريض ما يراه حقاً؛ العرش السعودي للخطر.
وبن زايد في سن الـ 65 ؛ فهو أكبر من بن سلمان ومستقل في تفكيره ولكنه قد يتعرض للضغوط من محمد بن راشد، على حد تقديره.
ويظل بن زايد اللاعب الرئيسي, أما تميم فهو في سن الـ 37 عاماً ولكنه يستفيد من نصائح والده.
وبسبب الدعم الأمريكي للرياض يقع على إدارة ترامب لوم كبير للمجاعة الحاصلة في اليمن وانتشار وباء الكوليرا بشكل متزايد صرف النظر عن التهديد الأكبر الذي تمثله إيران.
وبرغم الزعم السعودي- الإماراتي فقطر ليست حليفة لإيران.
وفي واشنطن والعواصم الأوروبية يُنظر للفوضى الحاصلة على أنها نزوة طفولية في وقت توقفت فيه الدبلوماسية.
وحتى في مؤتمر مجلس دول التعاون الخليجي حيث سيلتقي قادة دول المجلس لا يبدو أن هناك توجهاً للحل.
جماعات الضغط
وينهي سايمون هندرسون تقريره بالقول إن الفائز الأكبر من النزاع هي جماعات الضغط التي حققت أرباحاً كبيرة من خلال تقديم النصح والاستشارة والإعلانات وإنشاء مواقع على الإنترنت وتنظيم مؤتمرات، ويعتقد محمد بن زايد ومحمد بن سلمان أنهما قادران على مواصلة اللعبة حتى يُجبر تميم على تنازلات مؤلمة.
وبالنسبة لجماعات الضغط فإنها يسيل لعابها على مكافآت نهاية العام الحالي وربما عام 2018 أيضاً.
