لعبت قناة السويس دورا كبيرا في الأحداث خلال السنوات الثمانية لحكم عبد الفتاح السيسي، فمنذ اللحظة الأولى لتوليه الحكم، قرر أن يستخدم القناة وما تمثله من رمز للمقاومة والتحدي في وجدان المصريين، لتثبيت دعائم حكمه، من خلال إطلاق مشروع حفر تفريعة جديدة أطلق عليها وقتها مشروع «قناة السويس الجديدة»، ليمثل المشروع بداية لإحدى الأزمات الاقتصادية التي تشهدها البلاد، بسبب ما أنفق فيه من مليارات دون أن يحقق العائد الذي وعد به الرئيس الجديد آنذاك، المصريين، لتصل القناة لمرحلة الخصخصة مع ارتفاع حجم الديون لرقم غير مسبوق، وفق صحيفة “القدس العربي”.
فلم يمر شهران على فوز السيسي في الانتخابات الرئاسية عام 2014، حتى أعلن عن مشروع حفر قناة السويس الجديدة، ليبدأ العمل في أغسطس/ آب 2014.
وتحدث الإعلام وقتها عن طفرة ستتحقق في عدد السفن المارة وعائدات القناة، من خلال تخفيض عدد ساعات الانتظار للسفن.
وجمعت السلطات للمشروع عام 2014 أكثر من 60 مليار جنيه (3.61 مليار دولار) من طرح شهادات استثمار للمصريين لمدة خمس سنوات من خلال البنوك المملوكة للدولة، بعائد أكبر من العائدات التي تقدمها البنوك وقتها.
وعلى الرغم من أن السيسي نفسه تحدث عن أن فكرة المشروع تبلورت من خلال عرض رئيس هيئة قناة السويس وقتها الفريق مهاب مميش، فكرة المشروع، وإنه هاتفه في السادسة من صباح اليوم التالي يبلغه بموافقته، إلا أن الإعلام المصري والمسؤولين خرجوا يتحدثون عن مضاعفة إيرادات قناة السويس، كنتيجة متوقعة للمشروع.
وتكلفت أعمال حفر التفريعة الجديدة التي انطلقت في الـ5 من شهر آب/أغسطس عام 2014 نحو 8 مليارات دولار، وفق تقديرات للحكومة. وتحدث المسؤولون وقتها، أن المشروع سيساهم في زيادة إيراداتها السنوية بمعدل 5.3 مليارات دولار إلى 13.2 مليار سنويا بحلول عام 2023.
إيرادات القناة
إلا أن الأرقام التي سجلتها إيرادات القناة خلال السنوات الماضية لم تصل للمستوى المأمول، ولا تتنبأ بتحقيق الرقم المتوقع العام المقبل.
وحسب تقرير صادر عن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء في أغسطس/ آب الماضي، فإن قناة السويس حققت أعلى إيراد سنوي في تاريخها خلال العام المالي 2021 ـ 2022، حيث بلغ 7 مليارات دولار، مقارنة بـ 5.8 عامي 2020 ـ 2021 و5.7 مليار دولار عام 2019 /2020، 5.8 مليار دولار عام 2018 ـ /2019، و5.6 مليار دولار عام 2017/2018، و5 مليارات دولار عامي 2016 ـ 2017، و5.1 مليار دولار عامي 2015 ـ 2016، و5.4 مليار دولار عام 2014 ـ 2015، و5.3 مليار دولار عام 2013 ـ 2014.
يبدو من الأرقام التي عرضها التقرير، عدم تسجيل أي زيادة كبيرة في إيرادات القناة إلا خلال عام 2021 ـ 2022.
خبير اقتصادي، فضل عدم ذكر اسمه، قال لـ «القدس العربي»، إن الزيادة في الإيرادات التي حققتها القناة في العام المالي 2021-2022، تعود إلى الزيادة التي أقرتها هيئة قناة السويس على رسوم عبور السفن خلال هذا العام.
وكانت هيئة القناة أعلنت في فبراير/ شباط الماضي زيادة في رسوم عبور السفن بنسبة 6٪ مع تثبيت رسوم مرور السفن السياحية وناقلات الغاز الطبيعي المسال.
وفي مارس/ آذار الماضي، أعلنت الهيئة البدء في تطبيق رسوم إضافية جديدة لمختلف فئات السفن العابرة للقناة تتراوح بين 5 إلى 10٪ من رسوم العبور.
وفي محاولة لزيادة حصيلة مصر الدولارية والاقتراب من الرقم الذي سبق وسوق له الإعلام المصري عن الإيرادات المنتظرة من مشروع قناة السويس الجديدة، أعلنت هيئة القناة في سبتمبر/ أيلول الماضي، زيادة رسوم عبور السفن للقناة بنسبة تتراوح بين 10 إلى 15٪ اعتبارا من يناير/ كانون الثاني 2023.
وكشف رئيس الهيئة، أسامة ربيع، في بيان وقتها، عن زيادة رسوم العبور لجميع أنواع السفن بنسبة 15٪، عدا سفن الصب الجاف والسفن السياحية التي ستزيد رسوم عبورها بنسبة 10٪.
طريق الاستدانة
ومثلت التفريعة الجديدة لقناة السويس أو مشروع قناة السويس الجديد، بداية طريق سلكه السيسي لتدشين مشروعات دون إعداد دراسة جدوى، نفذت جميعها من خلال الاستدانة، سواء من الداخل عبر طرح شهادات بنكية عالية الفائدة أو من الخارج من خلال القروض التي حصل عليها من صندوق النقد والممولين الدوليين، لتضم القائمة مشروعات مثل العاصمة الإدارية الجديدة، وقطار المونوريل وغيرهما.
وأسفرت السياسات الاقتصادية القائمة على الاستدانة، حسب المعارضة، إلى وصول حجم الدين الخارجي إلى مستوى غير مسبوق، حيث سجل حسب بيانات البنك المركزي المصري إلى 155 مليار دولار في مارس/ أذار الماضي.
وحسب بيانات البنك المركزي، فإن مؤشر الديون ارتفع في عهد السيسي، من 46 مليار دولار، تمثل 15.4٪ من الناتج المحلي الإجمالي، إلى 155.7 مليار دولار تمثل 35٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
ومن المتوقع ارتفاع حجم الديون مع حصول مصر على المليارات الثلاثة التي وافق على منحها صندوق النقد الدولي للقاهرة، كما ستضاف إليها 14 مليار دولار، سيوفرها الصندوق لمصر من خلال جهات تمويلية، على أن تسد ببيع أصول مملوكة للدولة.
وعادت قناة السويس مرة أخرى للواجهة، بعد أيام من موافقة الصندوق على إقراض مصر للمرة الثالثة، من خلال موافقة مجلس النواب بشكل مبدئي على مشروع قانون تقدمت به الحكومة، لتعديل قانون هيئة قناة السويس، يتضمن إنشاء صندوق يمكنه من بيع وتأجير أصول القناة.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تثار فيها فرضية بيع أصول قناة السويس، فقد سبق وقال محمد معيط، وزير المالية، في يونيو/ حزيران الماضي، إن عملية إصدار صكوك تتعلق بالأصول في السد العالي وقناة السويس واجهت رفضاً شديداً من قبل الحكومة المصرية كونهما من الأصول الاستراتيجية المهمة جدا للدولة المصرية.
حديث وزير المالية وقتها، جاء في إطار تناوله مناقشات مصر مع البنك الدولي حول إصدار الصكوك.
رغم الرفض الذي أعلنه وزير المالية وقتها، إلا أن هذه التصريحات تعزز من فرضية قبول مصر هذه الشروط في إطار منح صندوق النقد الدولي قرضا وفي إطار ارتفاع حجم الديون الخارجية، والمخاوف من عدم القدرة على سداد أقساطها.
مشروع القانون أثار جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أن وسم «قناة السويس» احتل صدارة الوسوم الأعلى تداولا في مصر على موقع تويتر بـ 12 ألفا و300 تغريدة.
كما لاقى المشروع معارضة واسعة، وتوالت بيانات أحزاب المعارضة الرافضة للمشروع، كان آخرها بيان للحركة المدنية الديمقراطية، التي تضم 12 حزبا.
تهديد للأمن القومي
الحركة التي تعتبر ممثلة للمعارضة في الحوار الذي دعا إليه السيسي في أبريل الماضي، وصفت مشروع القانون بأنه يهدد أمن مصر القومي.
وقالت مصادر من الحركة لـ “القدس العربي»، إنها، قد تتخذ قرارا بالانسحاب من الحوار الوطني في حال مر مشروع القانون في مجلس النواب لكنها لم تفعل
الانسحاب من الحوار الوطني ألمحت إليه الحركة في بيانها، وقالت إنها سبق وطالبت مؤسسات الحكم بعدم الاندفاع في اتخاذ قرارات اقتصادية تتعلق بالأصول ذات الطابع الاستراتيجي، التي تمس الأمن القومي قبل أن تستمع إلى رأي المعارضة في الحوار الذي دعت إليه، لأن من شأن هذا الأسلوب إهدار قيمة الحوار وجدواه.
تهديد للسيادة
وأكدت رفضها القاطع لمشروع إنشاء صندوق لهيئة قناة السويس، الذي يمثل تهديداً لسيادة مصر على مواردها الاستراتيجية ومن شأنه أيضاً أن يهدد أمن مصر القومي.
وبينت أنها تعارض هذا المشروع ليس فقط لمساوئه الاقتصادية، لكن أيضاً لمخاطره السياسية والاستراتيجية.
الحركة بينت رفضها القاطع لأي احتمال لخصخصة أي جزء من قناة السويس التي هي مصدر أساسي للدخل القومي للشعب المصري ورمز من رموز كفاحه وتضحياته التاريخية.
وطالبت الحكومة بسحب هذا القانون فوراً تقديراً لقدسية الرمز ووضعه فوق الشبهات ولسيادة مصر على مواردها وشريانها الحيوي.
من المستحيل تنفيذه
لم يقتصر رفض مشروع القانون على أحزاب المعارضة، بل امتد لعدد من رموز نظام السيسي، فخرج الفريق مهاب مميش، مستشار رئيس الجمهورية للموانئ والرئيس السابق لهيئة قناة السويس ليعلن رفضه لمشروع القانون.
مميش قال لجريدة «المصري اليوم» التي سحبت التصريح لاحقا، إن القانون الجديد المقرر من مجلس النواب بخصوص قناة السويس من المستحيل تنفيذه، لافتا إلى أنه يفتح الباب لسابقة لم تحدث من سنوات طويلة، وهي وجود أجانب في إدارة قناة السويس يغيرون النظام الذي تقوم عليه من سنوات طويلة ويحقق عائدات وأرباحا قياسية.
وأضاف أن المصريين نجحوا في شق قناة السويس الجديدة أهم مشروع لتطوير الهيئة وزيادة عائداتها بأموالهم الخاصة، ولم يتم دخول أي مستثمر أجنبي، ونجح المصريون والهيئة في المشروع وعادت أيضا أموال المصريين مرة أخرى.
وتابع أن عائدات الهيئة في نهاية عام 2023 ستتضاعف، ما يعني نجاح نظام الإدارة الحالي وعدم الحاجة لتغيير النظام القائم المحقق لنجاحات كبرى جعلت قناة السويس الهيئة البحرية الأنجح في العالم.
وأكد أن أي تغيير في النظام أو دخول مستثمرين أجانب سيسبب حالة فزع لدى المواطنين، خاصة مع ارتباط قناة السويس وجدانيا بالمصريين الذين شقوها في المرة الأولى بدمائهم وعرقهم وجهدهم، والمرة الثانية بأموالهم تحت رعاية وتخطيط الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أكد أنه لن يقبل أبدا بأي تفريط في نقطة ماء واحدة أو قناة السويس بشكل عام، خاصة لكونه رئيسا مخلصا لوطنه ولشعبه.
خطير للغاية
لم يكن مستشار السيسي هو الوحيد الذي أبدى اعتراضه على مشروع القانون، فسبقه وزير الإعلام المصري السابق، أسامة هيكل، الذي وصف مشروع القانون بالأمر الخطير للغاية، ويحتاج إلى مراجعة فورية.
وقال في منشور على صفحته الرسمية على «فيسبوك» قبل أن يقوم بحذفه بعد ساعات من نشره: قناة السويس مرفق استراتيجي لا يجوز التفريط فيه جزئياً أو كلياً، ولا حتى التفكير في الأمر، لأن القناة ليست مجرد أصل من أصول الدولة، ولا يمكن السماح بالبيع أو الشراء فيها لأي سبب من الأسباب.
وزاد: «هذه المادة (مشروع القانون) تحتاج إلى إعادة نظر فوراً، وأن ينظر إليها من أجهزة الأمن القومي بعين المسؤولية، قبل أن يعرض المشروع على رئيس الجمهورية لتوقيعه، وأتمنى أن يستخدم الرئيس حقه في إعادة المشروع لمجلس النواب مرة أخرى لمزيد من الدراسة، إلا قناة السويس يا سادة»
