د. زياد موسى عبد المعطي: لا تيأس .. الأمل طبيعة إنسانية

يولد الانسان ومعه الأمل، يولد وهو ينبذ اليأس، فالأمل يروي الحياة، ويجعلها تنبت بالنجاح، واليأس يغتال الحياة ويجعلها تساوي العدم، فعدم اليأس وتكرار المحاولة عند الفشل سلوك طبيعي مخلوق مع الإنسان، واليأس عند الفشل سلوك مرفوض، لا يتفق مع الطبيعة الانسانية، ومخالف للسنن الكونية، وتنهى عنه الشريعة الاسلامية.

يولد الإنسان ومعه الأمل، ولا ييأس، فالطفل يتعلم الوقوف بالمحاولة والتكرار.. يفشل مراراً وتكراراً، ويقع مرات عديدة، ومع عدم اليأس وتكرار المحاولة ينجح، ويتعلم المشي، وينجح في النهاية، ويستطيع المشي، وعندما يبدأ تعلم الكلام يتلعثم، ويخطئ في النطق، وينطق الكلمات بأسلوب غير صحيح، وبالمحاولات العديدة وتصويب الوالدين ينجح الطفل في نطق الكلمات بصورة صحيحة، ويتعلم الكلام بطلاقة. وعندما يكبر الطفل ويبدأ في تعلم الكتابة، لا تكون لديه في البداية القدرة على الإمساك بالقلم بطريقة سليمة، ويبدأ أبواه أو معلمته في رياض الأطفال في إمساك يده لكي يكتب بطريقة سليمة، ويبدأ تعلم الكتابة بالقلم الرصاص، ويكتب ويخطئ مرات عديدة، ويستعمل الممحاة لكي يمحو أخطاءه، ويعدل ما أخطأ فيه، ويكرر تصحيح أخطائه، ولا ييأس حتى يتعلم الكتابة بطريقة صحيحة.

وفي تعلم اللغات الأجنبية أيضاً الكل يخطئ في البداية، في نطق أو كتابة الكلمات، ولكن بالتكرار وإعادة المحاولة نتقدم نحو التعلم، والإجادة، ومع عدم اليأس والتكرار نستطيع تعلم اللغات الأجنبية.
إن عدم اليأس, والأمل في النجاح، والعزيمة والاصرار من صفات الأنبياء، ومن أبرز أمثلة عدم اليأس نوح عليه السلام الذي ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم ليلاً ونهاراً، وبكل السبل والأساليب لكي يؤمنوا بالله ”قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا. فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا. وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا” (نوح: 5 – 7)، ولم ييأس حتى أخبره الله عز وجل أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، وأمره أن يصنع سفينة، لأن الله مغرق الكافرين، فظل يعمل في صنع السفينة وسط سخرية الكافرين منه، ولكنه لم ييأس ولم تنل سخريتهم من عزيمته، ونجاه الله مع الأقلية المؤمنة من الغرق “وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ. وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ. حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ” (هود 36 – 39).

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم لنا المثل والقدوة في عدم اليأس، فقد ظل يدعو قريش قبل الهجرة ثلاثة عشر عاماً ولم يؤمن معه إلا قليل، وواجهته ظروف شديدة القسوة، وهاجر إلى المدينة، ولم يتركه مشركو مكة وحاربوه، لكن بدد الله شملهم في عزوة الأحزاب، وبعد ذلك بدأ الانتشار السريع للإسلام ودخول القبائل في الاسلام، وبعدها فتح مكة، ثم انتشار الاسلام في الجزيرة العربية، وظل انتشار الاسلام يزيد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومازال وسوف يستمر انتشار الاسلام بفضل توفيق الله لرسوله وصحابته وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.

كما أن عدم اليأس صفة العلماء والمخترعين، فعلى سبيل المثال فإن توماس أديسون؛ المخترع الأمريكي العبقري الذي قدم للبشرية العديد من الاختراعات التي غيرت شكل الحياة على الأرض، يذكر أنه أخطأ 999 مرة في تجاربه التي أجراها لكي يخترع المصباح الكهربائي، وأنه نجح في المرة الألف، وأنه تعلم من الأخطاء، وفي كل مرة يطور ويصحح في تجاربه حتى حقق هدفه وتمكن من صنع اختراعه الذي أنار العالم.

لقد أمرنا الله عز وجل في قرآنه بالأمل في رحمة الله، وعدم اليأس والقنوط, لمن أسرف في ذنوبه، أن يتوب إلى الله ويستغفره، فإن الله يغفر الذنوب جميعاً وهو الغفور الرحيم “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الزمر: 53).

ولذلك يجب علينا ألا نيأس، وأن نتعلم من أخطائنا، فالحياة أمل، واليأس يساوي العدم، واليأس ليس من طبيعة البشر، فيجب علينا أن نحاول ونحاول، ونطور أنفسنا ولا نيأس، ولنعلم أنه من رحم الفشل يولد النجاح، وأن للنجاح بعد الفشل لذة كبيرة، فنقول لا لليأس, نعم للأمل.

 

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …