مع الحجاب -2
6- تطرق د. سعد الهلالي إلى أدلة القرآن التي توجب الحجاب (الخمار) على الحرة البالغة وهما آية النور وآية الأحزاب
– {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ…. وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ}[النور:31]
وحاصل كلامه أن {إلا ما ظهر منها} لم يبين القرآن حدود ما ظهر منها، وأن المفسرين أضافوا ما يبين المعنى، وهو إما ما ظهر منها ضرورة، أو حاجة، أو عرفا، وكل هذه الإضافات بشرية، وأن الشرع ترك تحديد الضرورة والحاجة والعرف للمكلف وهو المرأة.
وأن {فليضربن بخمرهن على جيوبهن} قد يكون المعنى إزالة الخمار من على الرأس وتغطية الجيب به، أو إطالة الخمار حتى يغطي الجيب.
قلتُ: نقر له باختلاف الصحابة والتابعين، ومن بعدهم الفقهاء والمفسرون في معنى (ما ظهر منها)، فهذا شيء من المعلوم من العلم بالضرورة، وكل من قرأ في أي كتاب تفسير يعلم الخلاف في تفسير ما ظهر منها، وفي تفسير الزينة هل هي محاسن الخَلق التي خلقها الله عليها، من قولهم: فلان زين، أي حسن الخِلقة، أم هي الحلي والكحل والخضاب وفضل الثياب، أم هي الثياب نفسها (من قوله تعالى: خذوا زينتكم عند كل مسجد) أم هي مواضع الزينة الظاهرة من الكحل والخاتم.
لكن لا نقر له بما قال في قوله تعالى: {فليضربن بخمرهن على جيوبهن}، فالخمار ما غطَّى الرأس من الرجل والمرأة، فإن نزع من الرأس فليس خمارا حينئذ، كما أن من اتسخ إزاره، فخلع رداءه وائتزر به لم يصر رداءً وصار إزارًا، ومثل ذلك العمامة – وهي ما يلفه الرجل حول رأسه – فلو خلعها من رأسه وشدها على وسطه فليست عمامة بل نطاقا أو حزامًا.
والمتأمل في الآية يدرك أن الآية ليست بهذا الإطلاق الواسع الذي يجعل للمرأة أن تختار ما يناسبها ويتماشى مع العرف حتى لو أبدت رقبتها أو بعضها, أو ساقيها وذراعيها وما فوق ذراعيها، فالآية تأمر المؤمنات أن يضربن بخمرهن – وهي أغطية الرؤوس – أي يجعلنها ويضعنها ممكّنات لها – من ضرب الخيمة أي مكانها في الأرض – على فتحات جيوبهن، وهي فتحة القميص التي يدخل منها لابسه رأسه.
وبهذا تكون الآية قد قيَّدت إطلاق ما ظهر منها، فلا يجوز للحرة البالغة أن تظهر شيئًا من شعرها بدلالة (خُمُرهن)، ولا أعناقهن لقوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) ولا سوقهن، بقوله: في آخر الآية: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن)، فزينة الأرجل المعروفة وقت النزول هو الخلخال، وهو يلبس في السوق.
بقي العضد، وهو لا يظهر من المرأة ضرورة ولا لحاجة ولا في العرف إلا في مثل العرض على الطبيب. ولاحظ أن الآية عبرت بـ(ظهر منها ) وليس (ما أُظْهِر) أي ما كانت العادة ظهوره أو الأصل فيه الظهور، أما الذراع فقد تحدثنا عنه قبل.
وهذا ما فهمته الصحابيات من الآية كما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت: “يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31] شققن مروطهن فاختمرن بها. والمرط ملحفة يؤتزر بهَا.
وفي رواية: «أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها”.
– وعن آية الأحزاب: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}
قال د. الهلالي: الإدناء غير محدد المقدار، فقد يكون إلى الركبتين أو إلى نصف الساق، وقد يكون الجلباب (نص كم)
قلت: القرآن يفسر بعضه بعضا؛ فآية الأحزاب تُفهم في إطار آية النور، والدكتور هنا إما أنه مارس علينا الوصاية الدينية أو أنه حمل اللفظ القرآني على العرف اللغوي الحادث، فاستخدم الجلباب بمعني ما نطلق عليه في العامية المصرية (الجلابية) – أو وفق الوضع اللغوي (القميص) – ونظرة في المعاجم العربية وكتب التفاسير نجد أنهم اختلفوا في معنى الجلباب؛ هل هو الخمار أو شيء يلبس فوق الخمار وتحت الرداء، أو الملحفة أو هو المقنعة، أو القميص! أو شيء يلبس فوق الثياب يعم البدن كله؟ فلماذا اختار الدكتور (الجلابية) أو القميص وفق الوضع اللغوي من بين هذه التفسيرات؟ أهي الوصاية اللغوية أم أن العرف اللغوي المصري غلب الدكتور هنا أيضًا؟!
وحتى لا أكون ممن ينهى عن الشيء ويأتيه فلن أترك القارئ في حيص بيص يضرب أخماسا في أسداس بل أنقل له قول صاحب “التحرير والتنوير”, ليوازن بين أسلوب أهل العلم وأسلوب المدعين، يقول صاحب التحرير:
والجلابيب: جمع جلباب وهو ثوب أصغر من الرداء وأكبر من الخمار والقناع، تضعه المرأة على رأسها فيتدلى جانباه على عذاريها وينسدل سائره على كتفها وظهرها، تلبسه عند الخروج والسفر.
وهيئات لبس الجلابيب مختلفة باختلاف أحوال النساء تبينها العادات. والمقصود هو ما دل عليه قوله تعالى: ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين.
والإدناء: التقريب، وهو كناية عن اللبس والوضع، أي يضعن عليهن جلابيبهن اهـ.
ويحسن هنا أن نعرف سبب النزول لنحسن فهم الآية وفق ما وضعه العلماء من منهج للتعامل مع نصوص القرآن، يقول صاحب التحرير والتنوير: كان لبس الجلباب من شعار الحرائر فكانت الإماء لا يلبسن الجلابيب. وكانت الحرائر يلبسن الجلابيب عند الخروج إلى الزيارات ونحوها فكن لا يلبسنها في الليل وعند الخروج إلى المناصع، وما كن يخرجن إليها إلا ليلا فأمرن بلبس الجلابيب في كل خروج, ليُعرف أنهن حرائر فلا يتعرض إليهن شباب الدعار يحسبهن إماء أو يتعرض إليهن المنافقون استخفافا بهن بالأقوال التي تخجلهن فيتأذين من ذلك, وربما يسببن الذين يؤذونهن فيحصل أذى من الجانبين. فهذا من سد الذريعة.
والإشارة بذلك إلى الإدناء المفهوم من “يدنين”، أي ذلك اللباس أقرب إلى أن يعرف أنهن حرائر بشعار الحرائر فيتجنب الرجال إيذاءهن فيسلموا وتسلمن.
