إذا أردت أن تخدع شعبا لينقاد لك، أو على الأقل لا يمثل لك مصدر قلق، فاصنع له أسطورة أو عدة أساطير واجعل لها أنبياء وسدنة وكهنة يتميزون بجاذبية الشخصية، وبلاغة العبارة، وسحر الإشارة، وروعة الصورة، وجمال العرض والإخراج، واجعل تلك الأسطورة عقيدة للشعب؛ من آمن بها دخل في جنة النظام، ومن كفر فقد استحق جهنم الدنيا من سجن واعتقال، ومصادرة وحرمان، وتشويه وتنكيل وتعذيب .
وما أكثر الأساطير والأوهام التي تضخمت في نفوس الناس، وسيطرت على قلوبهم وعقولهم بدرجة كبيرة جعلتهم لا يرون عيوبها ولا تناقضها، ولا تهافتها، بل إنها صارت في عيونهم وعقولهم وقلوبهم كأنها حقائق، المُنْكِرُ لها إما مجنون أو مغفل وإما عميل .
ولك أن تعجب كيف قَبِل الناسُ قديما عبادة الأصنام والأوثان، وعبادة الحكام، لكن سيزول عجبك حينما تعلم كيف احتال عليهم كبار القوم المنتفعون من عبادة قومهم للأصنام وللحكام، وكيف اخترعوا لهم أساطير يرسخونها في نفوسهم بطرق شتى ممتعة ومشوقة؛ لتؤكد حق الحاكم أن يكون حاكما، وحق الصنم أن يركعوا له ويسجدوا .
وفي عصرنا؛ عصر العلم والتكنولوجيا، عصر الانفجار المعرفي، صُنِعَت الأسطورة بشكل يناسب ظروف العصر، فلم ينحتوا لهم أصناما، ولم يؤلهوا حاكما، بل صنعوا أوهاما ليزرعوها في عقول الناس وقلوبهم، وجعلوها حقائق من خلال الإعلام عن طريق برامج تطل على الجمهور بكل منافقٍ ميت الضمير، أسود القلب، يرتدي أحيانا حُلَّة المفكر والخبير وأحيانا أخرى عباءة الشيخ، وأحيانا ثالثة من خلال الفن من روايات وأفلام ومسلسلات، وقصائد ورسوم ونكات وتعليقات، وأحيانا رابعة من خلال المسابقات الرياضية العالمية والمحلية وبخاصة كرة القدم .
والأساطير في عصرنا متنوعة لتناسب مختلف الأذواق والميول والاتجاهات، فهناك أسطورة الجيش الذي لا يُهزم، وأسطورة أقوى مخابرات في العالم، وأسطورة أذكى طفل في العالم، وأسطورة القومية، وأسطورة الوطنية، وأسطورة سبعة آلاف سنة حضارة، كادوا يقولون إنها وصلت لكل ما وصل إليه العلم الحديث من اختراعات ومكتشفات .
وبدلا من تأليه الحاكم بصورة قد لا تكون مقبولة بسبب وجود القرآن والسنة في قلوب كثير من الناس، اخترعوا أسطورة الحاكم العبقري ذي النظرة بعيدة المدى الذي يرى ما لا يراه الآخرون، ولا يرى غيره ما رآه هو إلا بعد مرور عشرات السنين، فهو دائما يسبق زمانه، المخلص الذي يجهد نفسه من أجل شعبه، والمناضل الذي يخشاه العالم كله بما فيه من قوىً عظمى وغير عظمى، واخترعوا أسطورة المؤامرة على هذا الحاكم الفريد من نوعه، وأسطورة البلد الذي يسعى الجميع لتركيعه وتخريبه، لكنه ينجو دائما من كل ذلك بفضل عبقرية حاكمه الذي يحقد عليه الخونة من أبناء شعبه، وبفضل الله تعالى الذي يحميها من كل سوء!
ولا تتمكن الأسطورة من العقول إلا إذا تم تفريغها من الحقائق الساطعة، وتم تغييبها من خلال عمليات غسل المخ الممنهجة .
ثم تأتي المصائب الكبرى، والكوارث العظمى التي تجعل البعض يفيق، ويرى الأمور بعينٍ غير التي كان يرى بها من قبل .
وخير مثال على ذلك ما حدث للمصريين عقب معرفتهم بهزيمتهم الثقيلة على يد العدو الصهيوني .
وكذلك ما حدث لهم عقب الانقلاب العسكري في منتصف عام 2013م على أول تجربة ديمقراطية، إذ رأى المصريون بأم أعينهم، ومن خلال شاشات التلفاز كيف قتل الجيش والشرطة المعتصمين السلميين في رابعة والنهضة، وفي مختلف ميادين مصر، وكيف كانت الجرافات ترمي الجرحى في حفر عميقة وتدفنهم فيها وهم أحياء، وكيف لم يراعوا حرمة الموتى، بل كيف اتهموا القتيل بأنه من قتل نفسه أو قتله أبوه أو أخوه أو صديقه، وقلبوا الحقائق الواضحة بعقل بارد وصفاقة لامثيل لها .
لاشك أننا نحتاج إلى وعي عميق وشامل؛ وعي بحقائق الحياة بمختلف جوانبها، وعي بحقائق التاريخ، ووعي بحقائق السياسة، وبهذا الوعي تتبخر الأساطير، وبغيابه تعشش في العقول والنفوس والقلوب، فمتى نفيق؟
