تعرفت علي الريكشا لأول مرة في رواية الأرض الطيبة للأمريكية “بيرل بَك”، تبدأ الرواية مع إكراه هائل، ويصل عنفها إلي نقطة الذروة عندما يهاجر الفلاح “وانج لانج” من شمال الصين فرارًا من المجاعة, ويضطر في الجنوب إلي العمل بجر الريكشا. حتي في ذلك الوقت المبكر من العمر صغير المدارك بدا لي أمرًا مهيناً أن يجر إنسانٌ عربة يستقلها إنسانٌ مثله. وقدرت لو أن “وانج لانج” اختار كامرأته وأبنائه التسول وسيلة للحصول علي قوت يومه لكان أكرم له، ووجدتني أتساءل مع “بيرل”:
– متى ترحم السماء “وانج لانج” ويعود إلى أرضه الطيبة التي اضطره إلي الهجرة منها إلى الجنوب القحطُ والمجاعة؟
اختزنت ذاكرتي اللوحة التي رسمتها الكاتبة في ركن خاص بأبشع مظاهر العبودية وأكثرها بدائية. بمرور الوقت، عندما وفرت لي القراءة فرصة الدخول إلى الكثير من الرحاب البعيدة، اكتشفت أن حكومة طوكيو عام 1870 هي التي أعطت تصريحًا إلى مخترعي الريكشا ببنائها وبيعها، وأن أصل الكلمة في اللغة اليابانية يعني: عربة تسير بقوة الإنسان. اكتشفت أيضًا أنني، ككل مصري خارج دائرة حفنة من العائلات الفظة، مهما بذلت من الجهد، سوف لا أختلف كثيرًا عن “وانج لانج”. أنا أيضًا عامل ريكشا يستقلها أناس منتفخوا الأوداج، أبنائي أيضًا سيقومون بأدوار حيوانات الحقل في عالمٍ توقف عن استعمال الإنسان في الأعمال التي يتوفر للقيام بها حيوانات. بالإضافة إلي كل هذا, اكتشفت أن الفقر وحده ليس هو ما يبقي على استمرارية الريكشا, إنما إرادة متعمدة لإدارة العبودية في وطن تسطو على مقدراته قلة يتملكها شعورٌ مضلل بحق السيادة على الآخر, وتجد المتعة في إذلاله. وعلى هذه الخلفية، كنت أرتاب في سلامة عقول الذين يتحدثون عن مقترحاتٍ للسير إلى الأمام في أي مجال في ظلال هذه الصيغة العرجاء. ذلك أن وطناً يراد له أن يعيش وفقاً لشروط مجتمعات القرون الوسطى يجب أن يكون في المؤخرة، أو على أقل تقدير أن يكون متجمدًا كأنه في درع، وسطاً مؤاتيًا للشرور والآلام الهائلة، ليس الإنسان هو الذي يكبر ويتعاظم إنما التعاسة والبؤس والألم. رحمٌ صالحٌ لتنمية العفن, حتي تصير الرائحة استدارة الدنيا، ولون الحداد دائرة الحياة. يسقط جسد فآخر، حلم فآخر، والريكشا باقية لا تصدأ في انتظار بطون تدفع بالكثير من العبيد والقليل من السادة الجدد!

قد يرى البعض وصف مصر بالريكشا تصويرًا بالمفهوم الضيق للواقع، غير أنه نقلٌ حرفي لصورة وطن لا وجود للإنسان فيه. حتي بعض المتأنقين الذين يعتقدون أنهم من السادة، ليسوا في حقيقة الأمر سوى أهداف مشروعة لأقصى درجات التنكيل عند حاجة أصغر مسلح إلى القيام بنزوة. مع ذلك، من الإنصاف أن أقول إن المصري منذ استوطن هذه الأرض المنكوبة وهو عامل ريكشا. ربما ساهمت أخلاق المجتمع الزراعي في استدارة هذا الوضع وتكريسه. الجديد.. أنه، قبل الستينية المسلحة، كانت جسور الانتقال من طبقة إلى أخرى متوفرة، وكان بإمكان أقل المصريين شأناً أن يوفر لأبنائه فرصة الترقي إلى طبقة أعلى. معظم صناع تاريخ حقبة النصف الأول من القرن الماضي كانوا أبناء فلاحين أو أعيان أو تجار أو فقراء. قائمة طويلة إن كان يصعب حصرها، فلا أقل من أن أذكر أسماء بعض اللامعين منهم، مثل: “محمد عبده” و”أحمد لطفي السيد” و”سعد زغلول” و”مصطفي كامل” و”عباس العقاد” و”طه حسين”. لكن، مع انقلاب عبد الناصر انهارت فجأة كل الجسور بين الطبقات وأصبح الوطن بتوكيل لم يعطه لهم أحد تعبيرًا محميًا على الذين يرتدون الزي العسكري ومن يعيشون على حوافهم فحسب. حتى العلم صار بلا قيمة، والثروة أيضًا ما لم يكن لهم منها نصيب.
لقد حاول كتاب كثر تبرئة أقلامهم وتعرية هذا الوضع بحذر شديد وإذابته رموزاً على الورق كان أشهرهم “نجيب محفوظ”، مع ذلك، لقد وضع نفسه في موضع الخفة واللامبالاة. فلقد كان لمعظم فتوات الحارات منطق وخطوط حمراء، وكان لبعضهم مواقف مشرفة ضد المستعمر، وكانوا يرددون مع “عنترة بن شداد” قوله:
وأَغُضُّ طرفي ما بدَتْ لي جارَتي / حتى يُواري جارتي مأْواها
هذا السياق يفرض رواية مصورة ومشهورة عن “اعتماد خورشيد”، واحدة ممن جعلهم “صلاح نصر” علي مقربة. لقد ألقي بطبيب من الطابق العاشر حين ساومه على زوجته فرفض أن يطلقها!
“ثروت أباظة” أيضًا حين استعان بالرمز وكتب (شئ من الخوف) كان متساهلاً، لقد كان لـ “عتريس” قلب ينبض بالحب، غير أن عواطف هؤلاء صماء. لا تعنيهم مصر ولا يعرفون أهلها الطيبين الذين لا يحلمون بأكثر من قاعٍ كريم. لكن، لحسن الحظ، ما زال درس يناير قائمًا في الذاكرة، وأعني بالدرس هنا ألا نقف عند حدود الإدراك أو عدم الإدراك، بل أن نعتني بالأفكار المغلوطة والمنحرفة مثلما نعتني بالأفكار السليمة. لقد بدأ المصريون يتمردون سرًا على التعريف السطحي لمفردة الوطن. فإن معظم التاريخ هو ذاكرة الخيانة، ولا يمكن أن تكون حقيقة هذه الذاكرة قد مرت حتى على عقول البسطاء دون أن تترك وعيًا جديدًا. وهذه هي أكبر أخطاء انقلاب 3 يوليو، وتلك حدوده أيضًا، لقد وضع الجيش المصري والشعب لأول مرة في علاقة شديدة التوتر ومرشحة للانهيار التام في أي وقت، وعلى الرغم من وعي النظام بهذه الحقيقة، ربما لجهله بوسائل التغلب على هذه المأساة، ما زال مُصرَّاً على ألا يضع نفسه قبل فوات الأوان في وضعية الندم والعمل على ترميم ما انكسر قبل أن ينهار كل شئ، ولا يجد المصريون أطلالاً حتى يبكون عندها!
لقد فقدت كذبة “الجيش حمى الثورة” كل مراجعها، وأدرك غالبية المصريين، الشباب بصفة خاصة، أن ثورة يناير هي التي أطلقت المصريين من السجن فأعادهم العسكر إليه مرة أخرى. هي التي وضعت الريكشا أمام المصري، فغرروا به وزينوا له أن يقودها على هذه الوضعية المغلوطة إلى الماضي، دون أن يدور ببالهم أن التاريخ يؤكد أنه دائمًا ما يكون ثمن سحق ثورة أفدح آلاف المرات من ثمن التماهي معها وهضم شروطها.
مع ذلك، ما زال في الوقت متسع لبداية جديدة، فبلسمة الجراح وإطفاء الندوب ما زالت ممكنة إذا توفر الوعي بشروطها وتوفرت الرغبة في تجاوز هذا العار، لصالح مصر قبل كل شئ، والرهان علي حصانة اللحظة حماقة، فهذه الحصانة لم تبلغ من الهشاشة سقفاً أعلى مما هي الآن، وصار هامش المناورة أقل رقعة أكثر من أي وقت مضى، والتعويل على ضمور مظاهر الثورة حماقة أكبر، فالمصريون الآن ليسوا مصريي حقبة عبد الناصر مرورًا بحقبة السادات حتى 24 يناير 2011، وليسوا وحدهم. لا أتحدث عن الأمم المتحدة فأنا أحب “كافكا” وأصدق كلامه حين تنبأ مبكرًا بوظيفتها فقال:
– عصبة الأمم ليست عصبة للشعوب، بل مركزاً للمناورات وللتفاعل بين مختلف المصالح.
كلها صيغ تديرها من وراء الستار “حكومات وول ستريت” المتعاقبة التي تترك لرؤساء الدول والحكومات مهمة تسلية الحشود، ووقت هذه الحكومات أثمن من أن تبذره في التفكير في آلام المقهورين، ما أقصده بالضبط أن المجتمعات الحرة مع المصريين!
كان تقدير العالم في البداية أن الصراع سيكون بين الإسلاميين والعسكر، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن في حسبان أحد، حيث ظهر أن قوة الضربة التي وجِّهت إلى الإسلاميين جعلتهم رمادًا، أقصى ما يستطيعون فعله حتى الآن هو الكفاح ضد الغربة في صميم الغربة نفسها. مع ذلك، وبرغم أن أحد طرفي النزاع قد مني بالهزيمة, لم تستقر أمور الطرف الآخر، ذلك لأن الصراع قد اتخذ شكلاً آخر ومسارًا غريبًا. لقد اندلع أو يتهيأ للاندلاع داخل البيت المتمسك بالولاء للماضي نفسه، وظهرت بوادره المنذرة بالخطر في رسائل أحمد شفيق قبل أيام، لقد عادوته الحُمَّي بوصفه أحد الأضلاع الهامة في دولة “المِعَلِّمين” وأظهر نوعًا من شهوة السلطة، وكأني به هتف:
– آن الأوان ترحلي يا دولة الصِبيان..
قالها بكل وضوح، بل امتازت مرامي كلماته بأكثر من وضوح، وهو قادر على نشر الفوضي في المليون كيلو متر مربع من أقصاها إلى أقصاها، فمريدوه لا يمكن اختزالهم في عشرين مليون حتى، ولقد استفاد من ماضيه في مصر للطيران، واستفاد أكثر من مظاهر التسيب في ملامح وجهه وأسلوب حديثه، فهو يبدو للكثيرين رجلاً كما يقول المصريون “سبهللة”, ما يجعل المشهد الآن شديد الشبه بمشهد جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية بين ممثل دولة مبارك وممثل الثورة، وهذا هي المكيدة المرتبة بعناية من وراء رسائل “شفيق” الأخيرة، غير أن رد النظام حين أُرسِل من سيناء بدا ارتجاليًا ومتهورًا، أبسط مظاهره تمثلت في توريط الجيش أعمق في حرب انصرافية من الممكن إطفاؤها بحلول بسيطة، وما من شك في أن وطناً أصبح صندوقاً لتبادل الرسائل بين عدة أفراد لابد أن يكون مقبلاً على كارثة، وما يجعل وتيرة الخطر أكثر عصبية أن صراع النظام مع كل الأطراف صار خارج وتيرة التعقل، حيث لا صوت يعلو فوق صوت ذاكرة الانتقام من كل الذين شاركوا في توجيه الرمح الذي انغرس في رعونة نظام “مبارك”، وإذا استمر هذا السعار الأمني على نفس الدرجة من الحدة، فإني أرى بملامح شديدة الحيوية وكأنها الواقع نفسه أن المسألة مسألة وقت سوف تنمِّي خلاله أعماق المصريين استعدادًا كاملاُ لدفع ثمن استعادة إحساس الهواء الطلق، وستصبح المعادلة شديدة البساطة، جدًا:
– إما 89 مليون عامل ريكشا أو 90 مليون حر.
وحتى يجئ هذا الوقت، لا يريد أحد من هذا النظام سوى قدرًا من التهدئة يسمح بمساحةٍ تتحرك فوقها محاولات جدية قد تتمخض عن مصالحة شاملة وعادلة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فإن الذي انهار كثير، وهولُ اللحظة هذه المرة أكبر من أدوات أي نظام ليس معه كل شعبه، وقد ينبت الفينيق من تحت الرماد فجأة كما تقول الأسطورة، وإذا كنت أظن أن صقور هذا النظام سيحافظون على نفس الإيقاع العنيف حتى يصبحوا في النهاية فرادى وسط زحامٍ من الموتورين وطلاب الثأر فلأن هذا على الأرجح هو الصحيح..
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات