أصدرت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان في 21 يوليو 2025 تقريرًا بعنوان “في غياهب الجُب: قصص غير مروية لمدنيين ابتلعتهم المعتقلات السرية في سيناء”، وثّقت فيه 82 حالة اختفاء قسري مستمرة حتى وقت النشر، ضمن ما وصفته بنمط ممنهج من الإخفاء غير المعترف به رسميًا، في سياق العمليات الأمنية الممتدة في محافظة شمال سيناء.
وبحسب موقع “زاوية ثالثة”، فإن التقرير يستعرض شهادات أسر مدنيين اختفوا قسريًا بعد توقيفهم في كمائن أمنية أو خلال مداهمات لمنازلهم.
وبحسب المؤسسة، فإن بعض هذه الحالات يعود إلى أكثر من عشر سنوات دون ظهور أي معلومات عن مصيرهم.
ويشير التقرير إلى أن أغلب المحتجزين اختفوا بعد اعتقالهم من قبل قوات تابعة للجيش أو قطاع الأمن الوطني، دون تقديمهم للنيابة أو السماح لأسرهم بالتواصل معهم.
تُعد محافظة شمال سيناء واحدة من أكثر المناطق تقييدًا فيما يتعلق بحرية الوصول إلى المعلومات، حيث تفرض السلطات قيودًا مشددة على تحركات الصحفيين والمنظمات الحقوقية، ما يزيد من صعوبة التوثيق ويُضعف إمكانية المراجعة المستقلة للأحداث.
اعتمدت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان في إعداد التقرير على مقابلات مع أسر المختفين، إلى جانب مراجعة شكاوى قُدمت إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان، ومتابعة منشورات محلية ووثائق غير رسمية.
آلاف مختفين قسرا
وبحسب ما أورده التقرير، فإن العدد الحقيقي للمختفين قد يكون أكبر بكثير من الحالات المؤكدة، إذ تشير تقديرات محلية جمعتها المؤسسة إلى وجود ما بين 3000 إلى 3500 حالة اختفاء قسري خلال العقدين الماضيين في شمال سيناء، لم تُعلن الجهات الرسمية عن أي منها.
يُدرج التقرير شهادات لذوي المختفين، منها شهادة والد أحد المختفين الذي قال إنه تلقى معلومات غير رسمية تؤكد أن ابنه لا يزال على قيد الحياة داخل أحد مقار الاحتجاز العسكرية، دون أن يتمكن من معرفة موقعه أو التواصل معه.
كما ورد في التقرير أن بعض العائلات رصدت أسماء أبنائها ضمن قوائم غير رسمية لجمعيات أهلية توثق الغائبين، فيما لا تزال السلطات تنكر وجودهم.
ويربط التقرير بين نمط الإخفاء القسري الحالي وممارسات أمنية تعود إلى ما بعد تفجيرات طابا عام 2004، حين شنت الأجهزة الأمنية حملات واسعة النطاق في سيناء طالت آلاف المواطنين، واحتُجز بعضهم لفترات طويلة دون محاكمة. وتعتبر المؤسسة أن هذه الممارسات رسّخت نمطًا من التجاوزات الأمنية شمل الاحتجاز خارج القانون، والإخفاء في أماكن غير معلنة، واستمرار حرمان الأسر من الحق في معرفة مصير ذويهم.
ويشير التقرير إلى أن سياسات مكافحة الإرهاب في سيناء (بمزاعم من سلطات السيسي)، لا سيما في أعقاب تصاعد نشاط تنظيم ولاية سيناء، ترافقت مع تصعيد أمني واسع، كان له أثر مباشر على السكان المدنيين، الذين وجدوا أنفسهم عرضة لتدابير أمنية قاسية دون ضمانات قانونية كافية.
اختُتم التقرير بمجموعة من التوصيات، أبرزها الدعوة إلى الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين الذين لم يُحالوا إلى القضاء أو لم تصدر بحقهم أحكام قضائية. كما دعت المؤسسة إلى نشر قوائم رسمية بأسماء المحتجزين والمختفين قسريًا، والسماح لأسرهم ومحاميهم بالتواصل معهم، وفتح تحقيقات مستقلة في الحالات التي تم توثيقها، بمشاركة جهات قضائية مستقلة أو بعثات أممية متخصصة.
وأكد التقرير على أهمية تمكين المنظمات الحقوقية المحلية والدولية من دخول شمال سيناء، وتوفير ضمانات لحماية عملها من أية ضغوط أمنية، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لضمان الشفافية والمساءلة.
لم تصدر السلطات المصرية أي تعليق رسمي على ما ورد فيه، كما لم تُعلّق على الأرقام أو الشهادات التي وثقتها المؤسسة. وتستند الدولة عادة إلى اعتبارات “الأمن القومي” في فرض القيود على المعلومات المتعلقة بسيناء، فيما تُنكر بشكل متكرر وجود حالات اختفاء قسري، معتبرة أن كثيرًا من المبلغين عن حالات غياب لا يُبلّغون عن تفاصيل دقيقة أو لا يقدمون بلاغات رسمية موثقة.
يبرز التقرير ما يصفه بصعوبة الحصول على بيانات دقيقة بسبب الطبيعة الأمنية المغلقة للمنطقة.
ويضيف أن حالة الخوف التي تسود بين السكان تمنع كثيرًا من الأسر من تقديم بلاغات رسمية خشية الانتقام أو التهديد. ويؤكد أن الأرقام الواردة لا تمثل سوى جزء من الصورة الكاملة، في ظل غياب أي دور رقابي مستقل داخل شمال سيناء.
ويرى معدّو التقرير أن استمرار الإخفاء القسري في منطقة خاضعة لحملة أمنية واسعة يثير تساؤلات حول مدى التزام الدولة المصرية بالاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها، ومن بينها الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ويُعد هذا التقرير استمرارًا لجهود سابقة بذلتها مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان لتوثيق انتهاكات طالت المدنيين خلال العمليات الأمنية، ومن بينها تقارير تناولت الاعتقال التعسفي، التهجير القسري، واستخدام العنف المفرط، في ظل غياب آلية تحقيق رسمية مستقلة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات