علامات أونلاين

هل تعود “الإجابة تونس” مجددا؟

حين اندلعت أحداث الثورة التونسية، وتصاعدت وتيرتها خلال أيام محدودة وصولًا إلى فرار الرئيس بن علي، كان الإعلام المصري يردد “مصر ليست كتونس” رغم أنني شخصيًا وكثيرين غيري كنا نواجه ذلك بشعر أحمد فؤاد نجم “الخالق الناطق هناك الناطق الخالق هنا”، وهو جزء من بيت شعر ضمن قصيدة كتبها نجم للمقارنة بين مصر وإيران عقب ثورتها 1979 (إيران يا مصر، زينا.. كان عندهم ما عندنا.. الخالق الناطق هناك.. الناطق الخالق هنا).

وحين انتصرت الثورة التونسية في جولتها الأولى، ثم حين نجحت في مواجهة موجة الثورة المضادة في 2013 عبر الحوار الوطني كنا نردد في مصر وغيرها “الإجابة تونس”، ما يعني أنها كانت ملهمة في ثورتها، وفي قدرتها على الصمود لمدة عشر سنوات في وجه رياح الثورة المضادة العاتية التي تمكنت أخيرًا منها باختراقها من داخل حصونها، بل وأظهرها وهو حصن الرئاسة.

دستور قيس “القيصري”

أصاب تونس ما أصاب غيرها من بلدان الربيع، ونجحت قوى الثورة المضادة في تفجير الخلافات بين القوى السياسية التونسية، وتحركت بقوة لإفشال حكومتها، وصناعة الأزمات أمامها وهو المشهد ذاته الذي تكرر في مصر من قبل، ثم جاءت أزمة الكورونا لتزيد الأوضاع تدهورًا، وليجد قيس سعيّد -الرئيس الذي انتخبه الشعب، ورعته واستثمرت فيه بقوة مراكز الثورة المضادة- فرصته للانقلاب على مكتسبات الثورة التونسية، وليفرض نفسه حاكمًا أوحدًا للبلاد بلا دستور، وبلا حكومة حقيقية، وبلا برلمان، ثم تأخذه السكرة أكثر فيعلن عن جمهورية جديدة، ومقدمتها دستور جديد يقنن وضعه “القيصري” بزعم أن ثنائية السلطة التنفيذية بين الرئيس ورئيس الحكومة تعرقل العمل، وتشل الحركة، والغريب أن الرجل يحمل ثقافة فرنسية هي التي قدمت للعالم هذا النموذج (شبه الرئاسي) الذي يتقاسم فيه الرئيس السلطات التنفيذية مع رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان.

في الخامس والعشرين من يوليو/تموز العام الماضي أعلن قيس سعيّد انقلابه منطلقًا من تفسيرات دستورية ملتوية قرر بموجبها تجميد البرلمان بشكل دائم، وأغلق أبوابه في مواجهة النواب ورئيسهم، وواصل عدوانه على القضاء، وانتزع لنفسه سلطة النيابة العامة فراح ينتقم من خصومه سواء قادة سياسيين أو برلمانيين، ويحيلهم إلى التحقيق ببعض الشبهات التي لم يقدم عليها دليلًا.

بدأت الملاحقات بقيادات حركة النهضة وحلفائها من تيار الكرامة، لكنها لم تقتصر عليهم، بل طالت قوى سياسية أخرى كانت تظن أنها في مأمن، بل إنها طالت أنصاره الذين دعموا انقلابه منذ لحظاته الأولى وتباروا في تبرير قراراته، وعدوانه على الحريات العامة والخاصة.

تغيّر تدريجي للمعارضة

بدت النهضة وحلفاؤها التقليديون، وبعض الشخصيات القيادية مثل الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي هم جبهة المقاومة في الأيام الأولى للانقلاب، ولم تخف العديد من الأحزاب العلمانية دعمها لإجراءات قيس سعيّد، لكن المشهد راح يتغيّر تدريجيًا مع تزايد أخطاء سعيّد، وشمول قمعه لكل القوى الديمقراطية سواء أيًا كانت خلفياتها الأيديولوجية، وهو ما دفع هذه القوى لتغيّر مواقفها تباعًا، حتى أن عبير موسى الخصم اللدود للنهضة وللثورة التونسية ذاتها جاهرت بعدائها للرئيس سعيّد، وقادت بعض التحركات لحزبها وأنصارها ضده.

كانت الهوة قد اتسعت بين النهضة وحلفائها من جانب والكثير من القوى السياسية الأخرى من جانب آخر قبل انقلاب قيس، واستمرت كذلك بعده، ولم يحرص قيس على استثمار هذا الانقسام ليقرّب خصوم النهضة، ويختار منهم وزراءه ومستشاريه نتيجة لحالة الانتفاخ السياسي الكبيرة التي أصابته، ومع ذلك ظلت حالة الاستقطاب قائمة بين القوى السياسية لبعض الوقت.

جبهة وطنية للخلاص

في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني 2021 أي بعد مائة يوم تقريبًا من الانقلاب كانت أول مبادرة لجمع القوى المناهضة للانقلاب تحت مظلة “مواطنون ضد الانقلاب”، والتي ظهر في مؤتمرها الأول المستشار السياسي المستقيل لقيس سعيّد، وأعلنت الحركة خريطة طريق لإنهاء “قوس الانقلاب” تتضمن إلغاء الحالة الاستثنائية وكل ما ترتب عليها، والذهاب إلى انتخابات تشريعية ورئاسية سابقة لأوانها، وعودة البرلمان بعد تعديل نظامه الداخلي، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، لكن الحركة لم تستطع جذب كل القوى السياسية المعارضة لقيس سعيّد.

المبادرة الثانية لجمع القوى السياسية جاءت من السياسي اليساري أحمد نجيب الشابي يوم 26 أبريل/نيسان الماضي، وهي تشكيل جبهة وطنية للخلاص تم الإعلان رسميًا عنها أمس الثلاثاء 31 مايو/أيار ضمت عدة أحزاب ومجموعات سياسية، وقد انضمت لها حركة مواطنون ضد الانقلاب أيضًا، ولا تزال جهودها مستمرة لضم أحزاب أخرى، وهدفها المعلن هو استعادة الديمقراطية والشرعية، وإنقاذ الاقتصاد من خلال حكومة إنقاذ وطني.

“اتحاد الشغل” على الخط

تختلف خريطة الفاعلين الأساسيين في تونس عن بقية الدول العربية بالحضور القوي للاتحاد التونسي للشغل، الذي أسس في عام 1946، ويضم أكثر من نصف مليون عضو، وهو يمثل حالة موازية للقوى السياسية الحزبية في تونس، وكان الاتحاد مؤيدًا مع بعض التحفظات الخفيفة لانقلاب قيس سعيّد، لكنه أعلن مؤخرًا رفضه للإجراءات الأخيرة للرئيس، ومن بينها دعوته لحوار شكلي لصياغة دستور جديد.

كما أعلن الاتحاد أمس الثلاثاء عن تنظيم إضراب عام يوم 16 يونيو/حزيران المقبل لمطالب اقتصادية، وبهذا الموقف -وفي حال استمراره وتصاعده- فإن الاتحاد قد يكون عنوانًا جديدًا لتوحيد القوى السياسية والنقابية والمجتمعية ضد قيس سعيّد، وصولًا إلى جبهة وطنية واسعة لكل الطيف التونسي، ستحظى بدعم شعبي أوسع، كما ستحظى بدعم دولي، وتكون قادرة بالتالي على إغلاق قوس الانقلاب، والتوافق على خريطة طريق للإنقاذ الوطني، وفي هذه الحالة ستعود مجددًا مقولة “الإجابة تونس”، كما سننشد مجددًا مع أحمد فؤاد نجم مع التعديل (“أحزاب تونس” زينا.. كان عندهم ما عندنا.. الخالق الناطق هناك.. الناطق الخالق هنا).

Exit mobile version