2019 عام التطبيع.. أسعد الإسرائيليين وأنقص أراضي المسلمين


من السهل أن نُطلق على عام 2019 بأنه عام التطبيع المكشوف بين دولة الاحتلال الإسرائيلي ودول الخليج؛ فما شهده من وقائع في هذا المضمار، لم تشهدها المنطقة عبر سنوات.

 

إذ لازمت السرية أي علاقة خليجية إسرائيلية طوال السنوات السابقة، لكن هذا العام كان استثنائيا في جمع العرب على طاولة واحدة مع (إسرائيل)، والتهيئة لاتفاقات تنفي حالة العداوة “الظاهرية” بين الجانبين.

 

ولعل هذا ما كشفه رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، في سبتمبر/أيلول الماضي؛ حين أكد أن التطبيع مع الدول العربية “يتزايد”، وأن “الكثيرين في العالم العربي على مستوى القادة والشعوب، يدركون أن (إسرائيل) لم تعد عدوا لهم“.

 

لقاءات كسر الحاجز

مؤتمر وارسو الذي انعقد يومي 13 و14 فبراير/شباط الماضي، هيأ بشكل فعلي لتعاون خليجي إسرائيلي تتبادل فيه (إسرائيل) المصالح الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاستخباراتية مع السعودية والإمارات ودول حليفة لهما.

 

إذ كسر المؤتمر حاجزا مهما لم تتمكن (إسرائيل) من اختراقه منذ تأسيسها؛ حيث جلس مسؤولو معظم الدول العربية للحوار معها؛ سعيا للوصول لهدف مشترك.

 

واعتبر المؤتمر “أول محفل دولي يضم عربا وإسرائيليين منذ تسعينيات القرن الماضي”، حسب ما يصفه “جوناثان ماركوس” في تقرير لـ”هيئة الإذاعة البريطانية” (بي بي سي).

 

نشاط ما بعد المؤتمر ليس كما قبله؛ فقد شهد العام لقاءات أخرى لم تكن أقل قيمة من “وارسو“.

 

فمقابل الانتقادات الفلسطينية والعربية لخطة السلام الأمريكية المعروفة بـ”صفقة القرن”، احتضنت مملكة البحرين أول لقاءاتها، وتحديدا ما يختص بالشطر الاقتصادي منها، وذلك في أواخر يونيو/حزيران الماضي، ولم يشهد اعتراضا من دول الخليج على الطلب الأمريكي بدفعها 50 مليار دولار دعما للصفقة.

 

 

كان لافتا حضور ممثلين عن معظم الدول العربية، وسط تغطية من وسائل إعلام إسرائيلية، قام مراسلوها بجولات في المنامة للمرة الأولى، وأجرت “القناة 13” العبرية حوارا غير مسبوق مع وزير خارجية البحرين “خالد بن أحمد آل خليفة“.

 

ولم يكن ظهور الوزير وحده على القناة الإسرائيلية استثنائيا، بل ما أطلقه من تصريحات مثلت صاعقة أخرى، إلا أنها لم تلق أي انتقاد من دول عربية، فيما بدا موافقة ضمنية.

 

إذ اعتبر “آل خليفة” أن (إسرائيل) تشكّل جزءا من “تراث هذه المنطقة تاريخيا”، وأن “للشعب اليهودي مكانا بيننا”، مضيفا: “أريد أن أقول (للإسرائيليين): يجب أن نتحاور“.

 

عداء إيران.. حجر الزاوية

وفي كل مراحل التطبيع التي شهدتها المنطقة خلال 2019، كان نشاط إيران “المهدد للاستقرار” مادة أساسية في اللقاءات العربية الإسرائيلية.

 

فقد سعى مؤتمر وارسو باتجاه تشكيل تكتل إقليمي ضد إيران، التي تنشط بطبيعة الحال في المنطقة العربية، وتحديدا الخليجية.

 

وكشف التوسع في أجندة المؤتمر لاحقا تحور أهدافه عن ما هو معلن حين تمت دعوة الدول العربية، فقد بات اجتماعا على المستوى الوزاري “يروج لمستقبل السلام والأمن في الشرق الأوسط”، ولم يرد اسم إيران في جدول أعماله لاحقا.

 

تطور حال التطبيع بعدها خلال العام، من اجتماع لمواجهة إيران، إلى تحالف حقيقي عملت واشنطن على تأسيسه لحماية الملاحة في مياه الخليج، وكانت (إسرائيل) أول المنضمين إليه، لتلحقها كل من السعودية والإمارات وسبقتهما البحرين.

 

وربما من المبالغة التفكير بافتعال طرف ما للهجمات على سفن في مياه الخليج؛ بدءا بميناء الفجيرة الإماراتي (مايو/أيار الماضي)، إلا أن النفي الإيراني المتكرر للمسؤولية عن تلك الهجمات وأخرى تبعتها، وتحقيق التحالف الذي سعت إليه (إسرائيل)، قد لا يجعل من المستبعد اتهامها.

 

ويبرر “نتنياهو”، في تصريحاته مؤخرا، أن (إسرائيل) باتت حليفا أساسيا للعرب “في مواجهة عدوان إيران”؛ باعتبار “(إسرائيل) لا تدافع فقط عن نفسها ضد إيران، وإنما تدافع أيضا عن دول أخرى في المنطقة إزاء العدوان الإيراني المستمر. إيران تخطط لهجمات ضدنا، كما تشن هجمات في أنحاء المنطقة ضد العديد من جيراننا، لذا علينا التحرك ضد أنشطتهم في المنطقة“.

 

زيارات ولقاءات شخصية

تلك اللقاءات الجماعية بين العرب والإسرائيليين، لم تكن كافية لترسيخ المرحلة القامة من التطبيع بينهما، فكان لا بد من لقاءات ثنائية عكست من خلالها دول عربية هرولتها للتطبيع مع تل أبيب.

 

تصدر وزير الخارجية البحريني بطبيعة الحال تلك اللقاءات؛ حين التقى بشكل علني نظيره الإسرائيلي “يسرائيل كاتس”، بواشنطن (17 يوليو/تموز)، في خطوة هي الأولى من نوعها بين البلدين، اللذين لا تربطهما علاقات دبلوماسية رسمية.

 

وأكد “كاتس” خلالها مواصلة العمل “لدفع العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج قدما”، حسب بيان الخارجية الذي أكد أنهما “تطرقا إلى موضوع إيران والتهديدات الإقليمية بالإضافة إلى التعاون بين الدول، واتفقا على الاستمرار على هذا المسار“.

 

بدا تصريح الوزير الإسرائيلي حول دفع العلاقة جادا، خصوصا أن لقاءه مع “آل خليفة”، جاء بعد نحو أسبوعين من زيارة قام بها إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، ونشر صورا له من قلب مسجد “الشيخ زايد”، أكبر مساجد الدولة، ورابع أكبر مسجد في العالم.

 

وبهذه الزيارة، أصبح “كاتس” أول وزير خارجية إسرائيلي يزور الإمارات؛ حيث حضر لقاءات شخصية وجماعية عندما شارك بمؤتمر الأمم المتحدة لشؤون البيئة، والتقي مسؤولا إماراتيا كبيرا، وطرح مبادرة للسلام الإقليمي، بدأت بعدها تُطرح بشكل رسمي.

 

وهيأ العام 2019 لمشاركة إسرائيلية بارزة في معرض “إكسبو 2020″، الذي يقام في دبي؛ حيث زار وفد رسمي تابع للخارجية (مطلع ديسمبر/كانون الأول الجاري)، الإمارات من أجل الاطلاع على الاستعدادات الجارية، تمهيدا لانطلاق المعرض الذي أعلن “نتنياهو” رسميا مشاركة (إسرائيل) فيه.

 

من جانب آخر، استمرت اللقاءات التطبيعية الأخرى بأوجه جديدة تقدمتها المؤتمرات؛ حيث زار وفد من 25 رياضيا إسرائيليا، الإمارات في مارس/آذار الماضي؛ للمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية للرياضيين من ذوي الاحتياجات الخاصة.

 

من جهتها، استقبلت قطر في نوفمبر/تشرين الثاني، وفدا من 9 أطباء إسرائيليين للمشاركة بمؤتمر دولي، حضره مئات الأطباء من جميع أنحاء العالم.

 

عدم اعتداء.. وسكة تطبيع

السلام الإقليمي” الذي ترنو إليه (إسرائيل)، بدأ في 2019 أيضا يلقى آذانا عربية صاغية، وتحديدا من الدول الخليجية.

 

هذا ما كشفه وزير الخارجية الإسرائيلي أيضا؛ حين أكد أن وفدا من دولة الاحتلال وصل (مطلع ديسمبر/كانون الأول الجاري) إلى واشنطن؛ لبحث إمكانية التوصل لاتفاق عدم اعتداء بين (إسرائيل) ودول الخليج، حسب ما نقلت إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي.

 

الحديث عن الاتفاق كشف بنوده الوزير نفسه في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي؛ حين أكد أن (إسرائيل) تعمل على تسوية “اللاحرب” مع دول الخليج، واتهم إيران بأنها التهديد الرئيسي في المنطقة.

 

تهدف (إسرائيل) أيضا إلى إقامة علاقات ودية مع دول الخليج وإطلاق التعاون معها في مختلف المجالات، بما فيها “محاربة الإرهاب وتقديم المصالح الاقتصادية المشتركة، مع التزام الطرفين بعدم الانضمام إلى أي تحالفات عسكرية أو أمنية موجهة ضد بعضهما البعض”، وفق ما تضيف القناة الـ12 الإسرائيلية.

 

وإضافة لاتفاق عدم الاعتداء، قال “كاتس” إن الوفد، الذي زار واشنطن وضم ممثلين عن وزارة الخارجية ومكتب الأمن القومي ووزارة الجيش ووزارة العدل، سيطرح “مشروع ربط السعودية ودول الخليج بشبكة لسكك الحديد، ترتبط مع ميناء حيفا والموانئ الإسرائيلية الأخرى على البحر المتوسط“.

 

طرق أبواب المجتمع

بدعم حكومات عربية، عبر صمتها على تجاوزات مواطنين تصفهم مجتمعاتهم بـ”مطبعين”، شهد العام 2019، محاولات لجعل التطبيع مع (إسرائيل)، وجها من أوجه الحوار والتعايش المجتمعي.

 

ففي وقت استمر العديد من المطبعين العرب بتصريحاتهم الداعية للسلام مع (إسرائيل)، شهد العام زيارة استثنائية لصحفيين ومدونين عرب دولة الاحتلال (22 يوليو/تموز)، تقدمهم السعودي “محمد سعود”، الذي طاردته أحذية المقدسيين إلى خارج أسوار المسجد الأقصى.

 

الزيارة التي بقيت أسماء أعضائها طي الكتمان، وتلتها زيارة لاحقة لصحفيين آخرين، برز خلالهما “سعود” بلقاء مع رئيس وزراء الاحتلال “بنيامين نتنياهو” ونجله، ثم ما لبث أن أصبح مراسلا للتطبيع من داخل السعودية.

 

إذ ينشر “سعود” مقاطع من داخل المملكة وعليها عبارات تمتدح (إسرائيل) وتدعو للتطبيع، قبل أن يستقبل إسرائيليين اثنين في منزله (ديسمبر/كانون الأول 2019)، زارا لاحقا موسم الرياض الترفيهي، وسط تكتم من السلطات السعودية حول استقبالهم، في ظل منع القانون السعودي مثل تلك الزيارات.

 

وأخذت دعوات “سعود” للتطبيع وجها رسميا، حين سُمح له بلقاء المبعوث الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط “جيسون جرينبلات”، وكان حديثهما يصب في خانة التطبيع من قلب الرياض، التي لا تقيم علاقات رسمية.

 

وبدا تبني الرياض لنشاطات “سعود” نظرا لحجم “جرينبلات” الذي التقاه دون أي صعوبات؛ حيث يعد المسؤول الثاني عن خطة السلام الأمريكية المعروفة بـ”صفقة القرن”، التي تتبنى تصفية القضية الفلسطينية والسلام مع (تل أبيب).

 

كما لم يتعرض المطبّع السعودي لأي مساءلة، حين قال على “تويتر”: “آمل أن يكون هناك سلام بين إسرائيل والسعودية، وأن يأتي السعوديون إلى إسرائيل، ويأتي الإسرائيليون إلى المملكة“.

 

مهدت مثل تلك الخطوات إلى السماح بزيارة المنتخب السعودي للعبة الأكثر شعبية في المملكة (كرة القدم) إلى فلسطين، بإذن من دولة الاحتلال الإسرائيلي، للمرة الأولى في تاريخه، ثم زيارته غير المسبوقة إلى المسجد الأقصى (13 أكتوبر/تشرين الأول)، وسط انتقادات عربية وفلسطينية لاذعة.

 

من جانبهم، دشن 30 من المطبعين العرب، من 15 دولة عربية بينها خليجية، أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ما عُرف بـ”مجلس التكامل الإقليمي”، بهدف “تحقيق السلام والحب والصداقة” مع دولة الاحتلال، وهاجم المقاومة الفلسطينية، ورفض تربية أجيال عربية على كره (إسرائيل).

 

وللتمويه على الاجتماع وجعله موقفا عربيا خالصا، لم يحضر أي إسرائيلي له؛ “نظرا لمخاوف من ملاحقة المشاركين العرب وقمعهم بتهمة التطبيع مع (إسرائيل)”، وفق ما يشير موقع “جيويش نيوز” المؤيد للحركة الصهيونية.

 

النقاشات التي دارت في الاجتماع، ركزت على “ضرورة عقد سلام شامل مع (إسرائيل)، وتحسين العلاقات معها، بما في ذلك إصلاح اتفاقيات السلام الموقعة من قبل، والحد من خطاب العنصرية والكراهية ضد (إسرائيل)، والتركيز على أنها تقوم بمعاملة العرب معاملة حسنة وفق حقوق الإنسان“.

 

ولن تتوقف نشاطات المؤتمر عند هذا الحد؛ حيث سيجري إنشاء سلسلة من اللجان الفرعية المتخصصة في مجالات السياسة والفنون ومنصة مخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي، بغرض الاستمرار في نشاطات المجلس، كما سيجري عقد لقاء آخر في واشنطن خلال شهرين.

 

ويبدو العام 2019 قد انتهى بما يؤهل لعلاقات مكشوفة أكثر خلال الفترة القريبة القادمة، تأخذ طابع الاعتراف الرسمي والزيارات العلنية، وسط حالة عجز عربية عن مواجهة مثل تلك الخطوات، وقمع داخلي أغلق أفواه الرافضين من الشعوب العربية للتطبيع مع دولة الاحتلال.


Comments

comments

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …