الرئيسية / فكر ودعوة / ولئن طالت بكم حياة .. صناعة الأمل

ولئن طالت بكم حياة .. صناعة الأمل

د. الصديق الحميدي


 ليس من العجب أن يتحدث نبي من أنبياء الله – عز وجل – مع قومه عن أمر خارق سيحدث في المستقبل؛ لأن الأنبياء – عليهم السلام – كلهم لا يتحدثون إلا بوحي من ربهم، ولكن العجب كل العجب أن يصنع نبي في قلوب قومه أملا يجعلهم يتحدثون عن المستقبل بلسان الواقع، وهذا ما حدث مع النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – عندما ربى الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – على الأمل والثقة في نصر الله وتمكينه لدينه، وقد ظهرت هذه الثقة وهذا الأمل في سؤال الصحابة للنبي – صلى الله عليه وسلم – العجيب : أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أم رومية؟.. فلا عجب في إجابة النبي – صلى الله عليه وسلم – عندما قال: ” مدينة هرقل تفتح أولا ”؛ يعني بذلك ” القسطنطينية ”, عاصمة الدولة البيزنطية، تلك المدينة العتيقة التي استعصت على الغزاة والفاتحين، ولكن العجب في سؤال الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – عندما يسألون سؤال تخيير، أي أنهم على ثقة ويقين بأن كلتا المدينتين ستفتحان، ولكن .. أيهما قبل الأخرى؟!

 أي يقين هذا الذي يجعل الصحابة – رضوان الله عليهم – يسألون عن فتح أعرق مدينتين في التاريخ، وبينهم وبينهما آلاف الأميال مسافة، ومئات الآلاف من الجنود حراسة، ومئات السنين قوة وتقدما وحضارة؟.. إنه صناعة الأمل.
ولئن طالت بكم حياة ..
 ولعل سائلا يسأل عن عنوان المقال؟! .. ولنرجع لحديث في صحيح البخاري يرويه عدي بن حاتم – رضي الله عنه – قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر، فشكا قطع السبيل. فقال: ” يا عدي هل رأيت الحيرة “. قلت لم أرها وقد أنبئت عنها. قال: ” فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله ” – قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دعار طئ الذين قد سعروا البلاد؟ ” ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى “. قلت كسرى بن هرمز؟! قال: ” كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له. فيقولن ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول بلى. فيقول ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ فيقول بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم“. قال عدي سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” اتقوا النار ولو بشقة تمرة، فمن لم يجد شقة تمرة فبكلمة طيبة “. قال عدي فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ” يخرج ملء كفه“.. فعدي بن حاتم الطائي – رضي الله عنه – هو أكرم العرب وابن أكرم العرب، وكان زعيم قبيلة طيء المسيحية، كان من أشد أعداء الإسلام، ولكن الله هداه للإسلام، وقد أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – فرأى في عينه استضعاف المسلمين وقلة عددهم وعدتهم وخوفهم – وفي قصة الحديث ما يدل على ذلك – فهو يجلس مع النبي – صلى الله عليه وسلم – ويدخل رجل يشكو الفقر والحاجة، ثم يدخل آخر يشكو الخوف وقلة الأمن، فيستغل النبي المربي – صلى الله عليه وسلم – الفرصة ليعلم عديًا درسا لا ينساه طيلة حياته، ومن بعده الأمة جميعا.

دلالات في الحديث

ولعل كلام عدي في الحديث يعطي دلالات، تظهر في ترتيبه وصياغته :

الأمن المطلق: فعندما أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – في أول الحديث عن مستوى الأمن الذي ستصل إليه الدولة الإسلامية حتى أن المرأة تخرج من بيتها وحدها من الحيرة في العراق تمر في طريق – كانت في هذا التوقيت غير آمنة – حتى تصل لمكة تطوف باليت، ثم تعود وحدها، كان رد عدي في نفسه: ” فأين دعار طيء الذين قد سعروا البلاد؟ ” وهم قطاع الطرق من قبيلته وهو أدرى بهم جيدا، فهم لا يتركون القوافل التي فيها الرجال دون سطو، فكيف بامرأة وحيدة؟! ولكن الأمر محتمل فتحدث في نفسه وفقط.
 السلطان المطلق: فالنبي – صلى الله عليه وسلم – يعلم عن عدي أنه كان زعيم قومه، وكل زعيم يرى الزعامة أصعب شيء يصل إليه وأهم شيء يجب أن يحافظ عليه، والملفت للنظر اختيار النبي – صلى الله عليه وسلم – لكسرى، حيث أن دولة الفرس في هذا التوقيت هي أعظم وأقوى دولة في العالم، وإن افتتح المسلمون بلاد فارس الأقوى، فمن المؤكد أنهم سيفتحون دولة الروم الأضعف وكل ما هو دونهما، ولذلك لم يستطع عدي أن يتحدث في نفسه، فالأمر أشد من كتمانه، فقال متسائلا: ” كسرى بن هرمز؟!
الاقتصاد المزدهر: وقد أخره النبي – صلى الله عليه وسلم – على الرغم من مجيء السائل للنبي – صلى الله عليه وسلم – في هذه الجلسة مع عدي وعلى الرغم من أن عديا يمثل الكرم عند العرب، ولكنه – صلى الله عليه وسلم – أراد في تربية عجيبة أن يفتح آفاق عدي والصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – ومن بعدهم أمة الإسلام على أن الثقة في الله والتمكين لدينه أكبر من كل الآلام والمحن التي يعيشها المسلمون، وأكبر من الفقر والحاجة والخوف في بلادهم، ولذلك كان لسان حال النبي – صلى الله علي وسلم – يا عدي: لا تنظر إلى ما ترى، فسوف يتغير، وليس هذا الفقر وفقط، ولكنه التمكين المطلق لهذا الدين ”والذي نفسي بيده ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار“، كل مكان، كل زمان، كل إنسان .. ” ولكنكم قوم تستعجلون “.. وتمر السنون ويتعلم عدي الدرس عندما تحقق أمام عينيه وعد النبي – صلى الله عليه وسلم – الأول والثاني، فوعى الدرس، فقال: ” ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم – صلى الله عليه وسلم ” . وقد حدث فعلا في زمن عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – من ازدهار اقتصادي لم يكن يوجد معه محتاج في بلاد الإسلام.

صناعة الأمل في ميدان العمل

لم يكن النبي – صلى الله عليه وسلم – ليصنع أملا في دروس أو ندوات أو كتب أو تنظير، وإنما صنعه في ميدان العمل، فهو يبشر سراقة بن مالك بسواري كسرى وهو في طريق الهجرة، ولم يبشر بفتح بلاد الفرس والروم واليمن إلا وهو مع الصحابة في حفر الخندق ليحمي المدينة المنورة من الأحزاب، ولم يَعد الصحابةَ بوعد إلا وهو يجهز لهذا الوعد أسبابه من التربية وحسن الصلة بالله وإعداد العدة وبذل الجهد واستفراغ الوسع، وبعد كل هذا لا يعتمد على الأسباب وإنما يكل الأمر لرب الأسباب، ولا يربط نفسه بزمن معين ولا سبب معين، وإنما عليه بذل الخطى وعلى الله البلاغ، وكل ما هو مطلوب منا هو زرع الأمل واليقين في القلوب وتمام الثقة في علام الغيوب، ففي كل محنة منحة، وبين طيات كل ألم أملا، والنصر الحقيقي هو نصرنا على ضعفنا وتقصيرنا وتخاذلنا في نصرة الحق وأهله وصد الباطل وأهله، والنصرُ آتٍ لا محالة، ويقولون متى هو؟! .. قل عسى أن يكون قريبا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


Comments

comments

شاهد أيضاً

لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى!

قد يكون إنفاق المال على سبيل الوجوب أو صدقة التطوع، من أثقل الأعمال على النفوس، …