الرئيسية / مقالات وأراء / مقالات / إبراهيم البيومي غانم يكتب: «فقه النعمة» ومقاييس الغنى والفقر

إبراهيم البيومي غانم يكتب: «فقه النعمة» ومقاييس الغنى والفقر

بقلم إبراهيم البيومي غانم


يذخر تراثنا الفقهي بمطارحات عميقة حول مشكلة الفقر والمسائل المختلفة التي ترتبط به؛ بدءاً بتعريف الفقر ما هو، مروراً بكيفية قياسه وما أهم مؤشراته، وكيفية مواجهته، وصولاً إلى مناقشات فلسفية عميقة حول المفاضلة بين الغني والفقير، وأيهما بحاجة إلى الآخر: الغني إلى الفقير، أم الفقير إلى الغني؟ أم أن كلاً منهما بحاجة إلى الآخر؟ ومن ذلك مثلاً ما نجده في كتاب محمد بن الحسن الشيباني وهو بعنوان: الاكتساب في الرزق المستطاب، لخصه محمد بن سماعة، ونشره محمود عرنوس (هدية مجلة الأزهر- جمادى الأولى 1416- 1995 ص44- 52).

ولعل من أهم ما يميز الرؤية الإسلامية لهذه المسألة: أن فقه الفقر لا بد أن نفهمه في ارتباطه بفقه النعمة. ولهذا باءت بالإخفاق أغلب محاولات تعريف الفقر بمقاييس مادية مفصولة عن الإطار الشامل لفقه النعمة؛ إذ جاءت أحادية الجانب، بينما الفقر ظاهرة ذات أبعاد متعددة مادياً ومعنوياً، وبقيت أيضاً جزئية، والفقر ظاهرة كلية من الظواهر الكلية التي لا يكاد يخلو منها مجتمع من المجتمعات.

وعلى رغم كثرة محاولات تعريف الفقر وقياسه في الفقه الإسلامي القديم، وفي النظريات الاقتصادية الحديثة؛ إلا أن محاولات تعريف «النعمة» وتأصيل فقهها لا تزال محدودة، ولا تزال الكتابة في هذا الموضوع نادرة. وقد تهيأ لي أن أطّلع على كتاب قيّم لعبدالإله مقياتي بعنوان: «مدخل إلى فقه النعمة» (بيروت: دار الكتب العلمية، ط2، 1431هـ/2010م) (416 صفحة). ويحوي هذا الكتاب أربعة أبواب، تقدم في مجموعها رؤية اجتهادية رصينة لما يمكن أن نسميه مع مؤلف الكتاب «فقه النعمة في الإسلام». وقد انطلق من فكرة أساسية مؤداها: أن كل ما خلقه الله هو في ذاته نعمة على الشكل الذي خلقه الله تعالى فيه، خيراً كان أم غير ذلك. وقسم النعم إلى مجموعات: مجموعة نعم الخلق: وتشمل خلق الإنسان، وخلق الكون وما فيه من آلاء. ومجموعة نعم الإيمان، وهي «الوعاء الجامع والإطار الشامل الذي يدرك الإنسان به فلسفة وجوده في الحياة فيعرف خالقه، ويفهم الهدف من خلقه، والرسالة العظمى التي عليه أن يسعى لأدائها، وبنعمة الإيمان يدرك الحقوق والواجبات والحلال والحرام، والمثل والقيم التي تحكم مساره. ومجموعة النعم الخاصة التي أنعم الله بها على كل إنسان في ذاته، كنعمة المال والزوجة الصالحة والذرية الطيبة والصحة والجمال والعلم، وكلها من زينة الحياة الدنيا، وفقه كل نعمة من تلك النعم يقتضي التفكير في أصلها، والسعي لتنميتها وحفظها والانتفاع منها، كما يقتضي شكر الله عليها شكراً لا يخالطه رياء، ولا طمع ولا كبرياء. ويؤكد ميقاتي أيضاً أن من أصول فقه النعمة «أن ندرك أسرار تكامل نعم الله علينا، وهذا باب واسع للبحث والتفكّر والتدبّر، وفيه من التفاصيل ما يستوجب إلماماً بعلوم مختلفة».

ومن اللافت للانتباه أن ما تتناوله البحوث والدراسات الاقتصادية الحديثة تحت عنوان معضلة قياس الفقر، وكيفية تحديد «خط الفقر»، قد تناولها فقهاء الإسلام منذ قرون طويلة خلت، واتسمت معالجاتهم لهذه المسألة بالشمول والتعدد في زوايا النظر. فالحسن البصري وأبوعبيدة مثلاً كانا يحددان ما نسميه اليوم «خط الفقر» برصيد نقدي مقداره 40 درهماً، واستدلا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يسأل رجل أوقية، أو عدلها إلا سأل إلحافاً» (أبو عبيد القاسم بن سلام، الأموال- بيروت، دار الفكر، 1988- ص664). وذهب الحنفية إلى أن الفقير هو من يملك أقل من نصاب الزكاة؛ ربع أو خمس النصاب كما قال البصري وأبوعبيدة، والمسكين عندهم هو من لا يملك شيئاً. أما الطبري فيرى أن الفقير هو المحتاج المتعفف. وجمهور المالكية والشافعية والحنابلة يقولون إن معنى الفقر مرتبط بمستوى الكفاية، ومدى تلبية احتياجات الإنسان الأساسية.

وثمة من قدماء العلماء من اهتم بتحليل ظاهرة الفقر تحليلاً اجتماعياً واقتصادياً؛ بل ونجد في كتب التراث بحوثاً شبه ميدانية تتضمن معلومات وآراء تساعد على فهم الأبعاد المختلفة التي تنطوي عليها مشكلة الفقر، وكيف تؤثر على بعض الفئات وخاصة العلماء والمثقفين، وكيف تؤثر أيضاً على مجمل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. ومن ذلك مثلاً ما كتبه شهاب الملة والدين أحمد بن علي الدلجي في كتابه بعنوان: «الفلاكة والمفلوكون»، تقديم زينب محمود الخضيري- القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2003).

وحديثاً نبّه دعاة الإصلاح والنهضة إلى أن للفقر صلة وثيقة بالقهر، وليس فقط بالجهل وبالمرض. وقد واستغرق الكواكبي في تحليل مخاطر الفقر، وصلته الجدلية بالقهر وبالحرية والاستبداد، وأسهب في بيان سلبيات اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وكشف ببراعة دقة الخيوط التي توثق الفقر بالقهر، وتربط الفقراء بأوتاد الاستبداد، وقارن بين أحوال مجتمعات الشرق والغرب في الفقر والغنى، وتباين قدرة كل مجتمع على التخلص من شرور الفقر، ومن أوزار الاستبداد (عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تقديم أسعد السحمراني- بيروت: دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، 1404- 1984 ص70- 83).

وطبقاً لـ «فقه النعمة» الذي نبهنا إليه عبدالإله ميقاتي يصبح العمل الخيري بمختلف صوره أحد السياسات الاجتماعية التي تستهدف القضاء على الفقر، كتعبير عن شكر نعمة المال والثراء. وتسعى هذه السياسة بشكل دائم ومستمر لتجفيف منابع العوز، وإخراج من يدخل في دائرة منها، وإعادة إدماجه في دورة العمل والإنتاج؛ كي يصبح معتمداً على ذاته، مسهماً في بناء مجتمعه وفي مساعدة غيره، خاصة أن علة الفقر تصحبها علل أخرى كثيرة مثل الجهل والمرض والبطالة والجريمة. وهي علل ذات آثار سلبية، تدمر قدرات المجتمع، وتعوقه عن التطور والنمو، وتحول بينه وبين كثر من النعم التي سخرها الله للإنسان.

ومهما كان للصدقات التطوعية مثل الوقف الخيري والهبات والنذور والصدقات الموسمية من أهمية في التعبير عن شكر النعمة من جهة، والتنبيه إلى خطر الفقر وما يجره من مصائب من جهة أخرى؛ فإن ذلك لا يغني بأي حال عن الدور الذي تؤديه الزكاة المفروضة، فالزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي ركن الأساس في بناء النسق التراحمي؛ وهي في حقيقتها «نعمة» أوجبها الله تعالى لحكمٍ كثيرة ومقاصد جليلة، وقد يكون من أهمها: الوقايةُ من مشكلات الفقر والحرمان والظلم الاجتماعي، وضمان عدالة التوزيع دون حاجة إلى أساليب عنيفة أو استثنائية لتحقيق التكافل وسد حاجات المعوزين. والزكاة أيضاً فريضة دائمة يجب إخراجها سواء وجدت حاجة ظاهرة ماسة إليها أم لم توجد؛ إذ هي مورد دائم للفقراء والمساكين لا يسقطها شيء، ولا يغني عنها شيء على حد تعبير الشيخ محمود شلتوت في كتابه (الفتاوى – القاهرة: دار الشروق، الطبعة التاسعة عشرة، د. ت ص. 213).

ويأتي «الفقراء والمساكين» في مقدمة المستحقين في الزكاة كما أسلفنا، وقد اجتهد قدماء العلماء ومحدثوهم في كيفية تحديد من هو «الفقير» ومن هو «المسكين»، وذهب الحنفية إلى أن الفقير هو الذي يملك شيئاً دون النصاب الشرعي للزكاة وأن المسكين هو الذي لا يملك شيئاً، ورتبوا على ذلك أن الغنى المانع من استحقاق الزكاة هو «ملك نصاب زكوي من أي مالٍ كان». وعند الشافعي وأحمد ومالك لا يتحدد وصف الفقر بعدم ملك النصاب الزكوي، بل يتحدد بعدم ملك الكفاية؛ أي كفاية السَّنةِ عند المالكية وأحمد، وكفاية العُمر الغالب المعتاد لأمثاله في بلده عند الشافعية. أما الغنى الذي ينفي استحقاق الزكاة لدى الجمهور فهو ما تحصل به الكفاية، فإذا كان الإنسان محتاجاً حلت له الزكاة، وإن ملك نصاباً من المال، وإذا لم يكن محتاجاً حرمت عليه الزكاة وإن كان لا يملك شيئاً، والراجح أن الاستحقاق من الزكاة مردُّه الحاجة؛ أي حاجة الإنسان إلى كفاية الضروريات الأساسية له ولأسرته، وأصحاب الحاجات هم الأولى بالمرحمة والأحق بالمواساة في أغلب الحالات. وتتمثل الضروريات في عشرة أمور أساسية بحسب بعض الاجتهادات المعاصرة هي: الغذاء، والكساء، والمسكن، والتعليم، والزواج، والعلاج، والأمن، والعمل، والتنقل، والراحة.

ومن الاجتهادات الحديثة في حصر أهل المرحمة من «الفقراء والمساكين»؛ وهم من الذين تتجلى فيهم نعمة الزكاة الواجبة في نعمة المال والثراء، ما ذهب إليه المستشار نائب رئيس محكمة النقض المصرية سابقاً عثمان حسين، وقد حددهم في 16 صنفاً واشترط أن يكونوا محتاجين ليس لهم مال أو دخل كافٍ:

1- الأيتام واللقطاء. 2- الأرامل والمطلقات. 3- المسنون غير القادرين. 4- المرضى والمصابون في حوادث عادية أو حوادث عمل. 5- حالات الحمل والولادة للفقيرات أو المعدمات. 6- العاجزون عن العمل كلياً أو جزئياً. 7- المعاقون سواء كانوا مكفوفين أو ذوي عاهات أخرى. 8- المسجونون وأفراد أسرهم الذين يعولونهم. 9- العاطلون عن العمل. 10- العاملون الذين لا يكفيهم دخلهم أو أجرهم أو مرتبهم. 11- طلبة العلم الفقراء المتفوقون. 12- الأشخاص الذين لا مسكن لهم يناسب أحوالهم. 13- راغبوا الزواج غير القادرين. 14- الأشخاص الذين حلت بهم نكبة عامة أو خاصة، أو نزلت بمالهم جائحة وفي مقدمتهم: اللاجئون والنازحون عن أوطانهم، أو المهاجرون هجرة قسرية هرباً من الظلم وطلباً للأمن والاستقرار. 15- أصحاب الأعباء العائلية الكبيرة ويعولون دون قدرة على تغطية ضرورياتهم. 16- أسر المفقودين أو الغائبين أو الأسرى. (عثمان حسين عبدالله، الزكاة والضمان الاجتماعي الإسلامي، المنصورة: دار الوفاء، 1409هـ/ 1989م، ص127، 128).

ومن فقه التطبيق العملي كي تتجلى مظاهر النعمة في أموال الزكاة: أن يُعطى الفقير ما يحقق له مستوى لائقاً من الحياة، بما يحفظ عليه كرامته، ويمكنه من الخروج من دائرة الفقر والعوز ويدخله في دائرة الاكتفاء والإنتاج والعطاء. وتأخذ المساعدات الزكوية صوراً متعددة في الوقت الحاضر من أهمها: المعاشات الشهرية، والمساعدات العينية، والمساكن لمن لا مأوى لهم، وسداد ديون الغارمين، ودعم دور الرعاية الاجتماعية، ومراكز التدريب والتأهيل المهني، وتجهيز الموتى وتكفينهم ودفنهم في مقابر الصدقة، وإيواء أطفال الشوارع وتعليمهم، وتفعيل هذه الرؤية هو من أوجب واجبات مؤسسات الرعاية الاجتماعية وهيئاتها الحكومية وغير الحكومية.


Comments

comments

شاهد أيضاً

موفق السباعي يكتب: ماذا لو سقط نظام الأسد الآن.. هل سيعم سورية السلام؟!

إننا نعلم يقينا.. أن جميع السوريين المهجرين.. والنازحين الذين يسكنون الخيام في بلدان الجوار.. والمُبعدين …