الرئيسية / مقالات وأراء / مقالات / عبد العظيم حماد⁩⁩ يكتب: توقعات ما بعد الاستفتاء .. سيناريو متفائل واخر متشائم

عبد العظيم حماد⁩⁩ يكتب: توقعات ما بعد الاستفتاء .. سيناريو متفائل واخر متشائم

بقلم ⁧⁨عبد العظيم حماد⁩⁩


لنبدأ بالسيناريو المتفائل.
كنا مجموعة من المهتمين بالشأن العام على مائدة غداء تكريما لضيف عربى كبير، كان وزيرا أسبق للخارجية فى بلده، وهو أيضا من كبار المثقفين العرب، وكان بيننا عضوان بارزان جدا فى لجنة الخمسين، التى وضعت دستور 2014، والذى جرى تعديله منذ أيام، كما كان بيننا وزيران مصريان سابقان، وزملاء صحفيون، وكان ذلك قبيل أيام من بدء الاستفتاء على مشروع التعديلات الدستورية.

لم يخالج أحدنا الشك فى أن هذه التعديلات سوف تمر بأغلبية مريحة، بغض النظر عن أية تحفظات، أو ملابسات اكتنفت الحوار حولها فى مجلس النواب، أو فى الفضاء العام، ومن ثم كان السؤال الأولى بالتفكير فيه، والبحث عن إجابة له هو: ماذا بعد التعديلات؟، وبكلمات أوضح هل ستؤدى التعديلات إلى تحسن مناخ الحياة السياسية المصرية؟ أم سيبقى الوضع على ماهو عليه؟ أم ستتزايد درجات الحدة والاستقطاب؟.

حين بدت علامات الحيرة أو عدم القدرة على التوقع على وجوه أغلبية الحاضرين، قال زميل صحفى واسع الاطلاع إنه استمع من مصدر موثوق به لم يسمه، تحسنا فى مناخ السياسة المصرية، وتعاملا أهدأ مع الرأى الآخر، وانفتاحا نسبيا على القوى السياسية، لكنه استدرك بالقول انه استمع إلى توقع مشابه بعد الانتخابات الرئاسية فى العام الماضى، لم يتحقق، ولكن يبدو أن التفكير فى الإسراع بتعديل الدستور أرجأ هذه الخطوة أو الخطوات، وبذلك فيكون الأوان قد آن لتنفيذها الآن.

لم يذكر هذا الزميل نماذج محددة لما يتوقعه، أو بالأحرى لما أخبر به من المصدر، فهل مثلا تصفى نسبة كبيرة من حالات الحبس الاحتياطى؟ أم تعدل قوانين الانتخابات البرلمانية والمحلية؟، أم يسمح بظهور الرأى الآخر فى الصحف ووسائل الإعلام كسياسة منهجية، ويرفع الحظر عن أسماء وشخصيات بعينها، وتراجع عمليات حجب المواقع الإلكترونية، ما دامت لا تدعو إلى عنف أو إرهاب، ولا تناصر الداعين إلى ذلك؟

على أية حال تركنا لنفهم أن زيادة الفترة الرئاسية إلى ستة أعوام، وامتداد رئاسة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى عام 2030 فى المجمل يعنى – من بين ما يعنيه – انتفاء دواعى التوتر السياسى على فترات متقاربة، ما بين استحقاق رئاسى كل أربع سنوات، كما كان الوضع سابقا، وما بين انتخابات برلمانية كل خمس سنوات، ثم الانتخابات المحلية، مع التفاوت الواسع بين أهمية الانتخابات الرئاسية، وبين أية انتخابات أخرى، وعليه تكون هناك فرصة أوسع لالتقاط الأنفاس، وهدوء الأعصاب، وتبريد العقول، وبناء الثقة.

تركنا أيضا لنفهم أن استحداث أو استعادة الغرفة البرلمانية الثانية باسم مجلس الشيوخ يعنى توسيع فرص المشاركة أمام قوى ورموز سياسية، ممن لا تتوافر لديهم الموارد والخبرات والطاقات النفسية لخوض انتخابات مجلس النواب، وقد كانت تلك إحدى وظائف مجلس الشورى قبل أن يلغى دستور 2014.

للمرة الثالثة تركنا لنفهم أن التعديلات الدستورية الجديدة لم تضف جديدا من الناحية العملية إلى طبيعة نظام الحكم، فباستثناء إطالة الفترات الرئاسية، والمادة الانتقالية الخاصة بالرئيس السيسى، فإن السائد الآن هو تفوق السلطة التنفيذية على كل السلطات الأخرى، إن لم يكن بالنصوص، فبالممارسة الفعلية، وبالوزن الأثقل لمؤسسة الرئاسة فى بنية النظام السياسى المصرى منذ قيام جمهورية يوليو 1952، ما جعله عرفا راسخا أقوى من كل النصوص.

لم يركز بقية المتحدثين فى إجاباتهم على سؤال ماذا بعد التعديلات الدستورية على المناخ السياسى، ولا على إجراءات أو سياسات تحسينه، ولكنهم تحدثوا عن رؤية بعيدة المدى لمستقبل المنطقة العربية ككل، وحدد بعضهم عشر سنوات على الأكثر لتحقق هذه الرؤية، وخلاصتها أن النظم الحاكمة، والشعوب عليها أن تتوصل إلى تسويات تاريخية، للخلاص من قواعد الحكم والسياسة التى عمل بها فى حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة، والحصول على الاستقلال الوطنى، وإنهاء دور النخب السياسية لحقبة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، إذ إن نخبة الاستقلال فشلت فى تحقيق التنمية والتحديث فى الداخل، كما أخفقت فى ضمان الاستقرار السياسى الحقيقى، القائم على رضا ومشاركة الأغلبية، وكذلك فشلت فى مواجهة مهددات الأمن القومى من الخارج، ليس فقط فى مواجهة القوى العظمى، ولكن أيضا فى مواجهة القوى الإقليمية، كإيران وتركيا، وإسرائيل التى هى الأخطر إقليميا، كل ذلك مع نمو أجيال جديدة تدرك هذه الحقائق الأليمة، وترى ما يحدث فى العالم من حولها من تفاعلات، واجتهادات للنمو الاقتصادى والانفتاح السياسى، فى عصر تمكنت ثورة الاتصالات من قيادته.

حسب هذه الرؤية فإن النظم السياسية العربية سوف تتجاوب، إن لم تكن هى المبادرة نحو التغير، وإلا فإنها تخاطر بالاستقرار والأمن القومى، وكان ما يحدث من احتجاجات شعبية مستمرة منذ عدة أشهر فى الجزائر والسودان أحد أهم مقومات هذه الرؤية، كذلك كان الحديث المتوالى فى الدوائر الاستراتيجية الأمريكية عن تضاؤل أهمية المنطقة العربية فى خطط واشنطن المقبلة على المستوى العالمى من هذه المقومات، لتكون الخلاصة فى هذه النقطة أن الشعوب العربية وحكوماتها سوف لن تشغل العالم كثيرا فى المستقبل، وسوف تترك لمشكلاتها الداخلية وصراعاتها الإقليمية، كل حسب قدراته، واستعداده لاستحقاقات العصر.

يضاف إلى هذه الأسباب ما استنزفته الصراعات المسلحة والحروب الأهلية، والتدخلات الخليجية فى هذه الحروب والنزاعات من الفائض المالى فى دول الثروة النفطية، وما سيؤدى اليه ذلك من انكماش اقتصادى، وتباطؤ للتنمية، والحد من القدرة على تقديم المعونات، وذلك دون تطرق إلى ما يحتمل أن يستجد من حروب فى الإقليم، ما دفع بعض المفكرين فى هذه الدول إلى التنبؤ بزوال الظاهرة الخليجية فى غضون عشر سنوات.

وأما السيناريو الآخر، ولا نريد أن نقول المتشائم، فيركز على الموجة السلطوية الشعبوية الصاعدة فى العالم من الأمريكتين حتى شرق آسيا، مرورا بأوروبا نفسها، ويرى القائلون بهذا السيناريو أن هذه الموجة سوف تستمر فى التصاعد فى المستقبل المنظور، لا سيما مع تفاقم المخاطر الارهابية، وتزايد قوة التيارات العنصرية، وتيارات التعصب الدينى، واتساع نطاق الحروب التجارية الدولية، ومن ثم فسوف تتوافر المبررات لاستمرار سياسة القبضة القوية فى مصر.

يتبقى أن كلا هذين السيناريوهين أغفلا العامل الاقتصادى، خاصة ما يتعلق بمستوى معيشة المواطن العادى فى الحالة المصرية، وهو ما نحسبه، ويحسبه الجميع من أهم مكونات المناخ السياسى، انفتاحا أو انغلاقا.. ولهذا حديث يطول.

 نقلا عن جريدة الشروق


Comments

comments

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب: مصر ليست فنزويلا

في نفس اللحظة التي كانت مصر تعلن فيها عن حدوث انخفاض حاد في معدل التضخم، …