الرئيسية / مقالات وأراء / مقالات / محمد ثابت يكتب :داود أوغلو وأردوغان .. هل تغتال الخصومة السياسية الصداقة؟

محمد ثابت يكتب :داود أوغلو وأردوغان .. هل تغتال الخصومة السياسية الصداقة؟

بقلم محمد ثابت


بدا أحمد داود أوغلو، رئيس حزب العدالة والتنمية رئيس الوزراء التركي السابق، بدا عندها وكأنه قادم من عالم آخر غير عالم اليوم المليء بالمظالم، الطافح بالاعتبارات غير المنطقية أو العقلية، بخاصة في دنيا السياسة، ظهر الرجل في مايو/آيار 2016م مُعلقًا على الخلاف الأشهر وقتها على ساحة بلاده بينه وبين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ فلكأن داود أوغلو حينها قادم من العالم الآخر في وجهه الحسن المفعم بالدهشة والانسايبية والتلقائية والألق، فلكأنه قادم رأسًا من النعيم إلى أرضنا المترعة بالأنانية والرغبة في إثبات الذات وإنكار الآخرين؛ ويالها من آفة كم دمرت من مجتمعات ناهضة أو تحلم بالنهضة؟  

   لا ينسى كل مخلص شريف يتمنى رفعة بلاده وأمته في قلب متغيرات عالم اليوم جُمل داود أوغلو المتلاحقة .. منذ نحو ثلاثة سنوات بخاصة: “هذه الدنيا التي يتنازعون عليها سأزيحها بطرف يدي”، أو “الرئيس أردوغان شرفه شرفي وعرضه عرضي .. صداقتنا تمتد لربع قرن، أرجوكم لا يتعرض أحد لخلافي معه”.

   استقال حينها داود أوغلو من رئاسة الحزب الحاكم وبالتالي رئاسة الوزراء كما يقتضي القانون التركي، وكان الأخير تولى المنصبين بين عامي 2014، و2016م، وقيل إن اتفاق اللاجئين الذي أجراه مع الاتحاد الأوروبي لم يرق للرئيس التركي، كما عبر الأخير وداود أوغلو عن مواقف مختلفة من حبس الصحفيين خلال محاكمتهم، وذلك في تصريحات معلنة.

   إلا أن السبب الرئيسي لخلاف المسئولين التركيين الأبرزين حتى تلك الفترة يمكن اختصاره في عدم المرونة الكافية من داود أوغلو، وزير الخارجية السابق، لمّا تولى منصب رئيس الوزراء ورئاسة الحزب،  وفق ما كان يأمله أردوغان منه في دور للتحول من المسار البرلماني للدولة إلى الرئاسي، مرتئيًا أن مسئولًا آخر مثل بن علي يلدريم، وزير النقل الأسبق ومستشار أردوغان الشخصي وعمدة أزمير في فترة سابقة، رأى أردوغان أن يلدريم أكثر قدرة على المرونة أمام تحول في تاريخ السياسة التركي يجعله آخر رئيس للوزراء.

   وإن ظهر داود أوغلو منذ ثلاث سنوات، مشرئبًا راقيًا منتصرًا لجانب الصداقة أمام السياسة، ربما ظانًا أن موقفه الأخير يمكنه أن يطول ويمتد طوال حياته كلها، ومؤثرًا العودة إلى مسقط رأسه وسط طوفان من البكاء الجماهيري المحيط به عقب استجابته وانحنائه أمام العاصفة السياسية، ثم موقفه الرائع المشرف التالي في محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو/تموز 2016م، ثم رفضه مناصرة الرئيس السابق عبد الله غل في انتخابات 2018م ضد أردوغان، لما فكر غل في الأمر؛ مما دعا الأخير مع عوامل أخرى للتراجع عن الترشح للرئاسة مجددًا.

   إلا أن أكسير الصداقة القوية، ونكهتها الرائقة الرائعة لم يكونا ليدوما في عالم سياسة اليوم، بخاصة مع انعزال داود أوغلو واقتصاره على مهام قليلة لا تتناسب مع كامل قدراته وإمكاناته، وفجّر الأمر بداخله رؤيته لتراجع الحزب الحاكم حتى أنه لم يستطع أن يكسب مدينتي إسطنبول وأنقرة في انتخابات المحليات الأخيرة في  31 من مارس/آذار الماضي؛ واضطر للمنادة بإعادة انتخابات إسطنبول ونال ذلك بحكم قضائي مؤخرًا.

  ويبدو أن الأزمة لم تكن في خسارة (يلدريم)، خليفة داود أوغلو لمنصب عمدة إسطنبول من الجولة الاولى، لم تكن الأزمة لدى داود أوغلو في ذلك، بل في رؤية داود أوغلو لتراجع الحزب، واستقرار الأمر في ذهنه على أنه تراجع سيطول أمده، وأن الأسباب في خسارة إسطنبول، في الجولة الأولى، تعود لأخرى تخص إعادة دراسة مواقف الحزب وسياساته الداخلية أولًا، بالإضافة لتحالفاته مع القوميين ثانيًا.

   على أن الأمر، فيما نراه، لم يقتصر لدى داود أوغلو على ذلك، بل إن قنينة وزجاجة أكسير الصداقة المنكسرة امتد شرخها الهائل ليتناول، أيضًا، عدم الفصل بين السلطات، والتدخل الذي رآه واضحًا في القضاء، والجور والعدوان على الديمقراطية.

  وإن كان صاحب هذه الكلمات لا يتعرض هنا لنقاش مجمل انتقادات داود أوغلو الأخيرة، إلا أنه من الواضح أن الرجل رأى الساحة مهيأة ليطل برأسه سياسيًا من جديد، وأن تراب النسيان الذي يهاجم الذاكرة الجماهيرية لغياب المسئول الثاني الكبير والمرموق بعد الرئيس آن الأوان لكي ينفضه داود أوغلو بنفسه، مشمرًا عن قدراته العقلية وإمكاناته الفكرية لا كمفكر نظري، كما أريد له، بل كتوظيفي سياسي للفكرة، كما يريد لنفسه.

   لم يعلن داود أوغلو عن تكوينه حزب سياسي جديدًا كما كان متوقعًا، إلا أنه ألقى بتصريحاته التي ضمنها 15 صفحة مؤخرًا حجرًا ثقيلًا لا في دائرة السياسة التركية فحسب، بل صداقة ربع القرن مع أردوغان، والأخيرة جعلته يحضر حفل زفاف ابنة رئيس الجمهورية الذي أقاله، عقب الإقالة، بل يشهد على العقد، وربما ظن داود أوغلو أن شهادته في أمر الزفاف؛ الشهادة التشريفية الشديدة وذات البعد المهم شخصيًا مقدمة لإدخاله أبواب الحياة السياسية مجددًا، فلما خاب ظن الرجل عبر ثلاث سنوات، رأى أن عودة الحضور الشخصي لنفسه بنفسه أفضل من الحفاظ على شمعة صداقة تذورها وتطفأها عوامل النسيان!

   يبقى أن آفتنا كأمة عربية وإسلامية تتمثل في الاستئثار وحب الاستحواذ على المناصب من أدنى سلم الحياة الوظيفية حتى أعلاها، ويكفي أن تجربة كالتجربة التركية العملاقة في محاولة النهضة واللحاق بالعالم المتقدم، هذه التجربة على عظمها لا تطرح بديلًا خليفة لأردوغان، ليبقى “كاريزمة شخصية” وحيدة في قيادة الجماهير، ومن خلفه أشخاص بينه وبينهم مئات السنوات الضوئية في عالم الاستئثار والقدرة على التأثير على الجماهير، إن جاز التعبير، ولذلك جاء إبعاد داود أوغلو معتمدًا على حسن الإلمام بشخصية الرجل، من طيب المنبت، والقدرة على احتواء الأزمات، ثم تقدير الصداقة، وهو الرهان الذي قوضه وأفشله الوقت، فالزمان عدو التحالفات الاعتبارية غير المحكمة، كما انه عدو لتلك المماثلة لكن المادية حتى لو كانت سياسية.

    قدر داود أوغلو أن شاغل مكانه من رئاسة الحزب والوزراء لم ينجح حتى الآن في منصب عمدة إسطنبول، وأن هذا دليل على التراجع السياسي، ورأى أن خلافه في وجهات النظر مع أردوغان ليس لصالح البلاد أو حتى الصداقة أن ينسحب به إلى الخلف في غياهب النسيان، ومن هنا عاد متحالفًا مع عبد الله غل مستنكرًا الإعادة على منصب “عمدة إسطنبول”، وفاتحًا للخيارات السياسية مجددًا، فإن ضاقت به سبل معارضة أردوغان من داخل “العدالة والتنمية” فربما بالانشقاق عنه، كما فعل أردوغان مع نجم الدين أربكان من قبل.

   ليتنا نقدر أن الاعتبارات المعنوية، مهما كانت، لا ينبغي استغلالها لتغييب أشخاص بخاصة المرموقين في غياهب النسيان، أو الارتفاع بقيمة فرد ليظل الرمز الأوحد، وإن أحسن التدبير، قدر إمكانه .. ليتنا لا نغتال النجوم المتلألئة في الحياة والسياسة اعتمادًا على قوة تحملهم ونور الصداقة الذي برغم الجميع لا يستطيع التحمل وسط نيران التجاهل وسطوة الإمكانات وتألقها!


Comments

comments

شاهد أيضاً

زينب عبد العزيز تكتب: تذويب الأديان.. بينما المسلمون نيام

نعم.. بينما المسلمون نيام، أصدر الفاتيكان قراره بترسيم قس أصبحت مهمته يطلق عليها: “خادم الوحدة” …