أبو ظبي والرياض .. التابع والمتبوع في مخطط شيطنة قطر .. ولماذا؟

هل تسبب الصراع الخفي في البيت الملكي السعودي بين ولي العهد وزير الداخلية؛ محمد بن نايف وبين نجل الملك وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في أن يصبح قرار الرياض السياسي تابعا لأبوظبي؟

دورية “أنتليجنس أون لاين” الاستخباراتية الفرنسية سبق ونشرت تقريرا أفادت فيه اعتماد ولي العهد محمد بن نايف على دعم الجهاز الأمني الأمريكي، لافتة لزيارة رفيعة المستوى جرت في 7 مايو الحالي من قبل جون كيلي، وزير الأمن الداخلي الأمريكي، وتوماس بوسرت، مستشار ترامب لمكافحة الإرهاب.

وترى الدورية أن زيارة كيلي تأتي تعبيرا عن دعم الجهاز الأمني في الولايات المتحدة لولي العهد السعودي، وهي تأتي مكملة للتكريم الذي حصل عليه بتلقيه ميدالية وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قبل أسابيع، وكان بن نايف قد استضاف أيضا في مارس الماضي, مايك روجرز مدير وكالة الأمن القومي الأمريكي.

وترى الدورية الفرنسية أن الأجهزة الأمنية الأمريكية حريصة على إظهار دعمها لـ«بن نايف»، في مواجهة ما وصفته أنه «التهميش» الذي يتعرض له من قبل نجل الملك «محمد بن سلمان».

وكانت الدورية الاستخباراتية أكدت في وقت سابق أن الفرع الموالي للملك «سلمان» يستفيد من شهر العسل مع إدارة ترامب من أجل تعزيز قوته في الرياض.

ونوهت الدورية إلى قيام الملك سلمان مؤخرا باستبدال بعض الشخصيات الرئيسية داخل النظام من أجل تعزيز قبضة الفرع الموالي له على السلطة. ووفقا للدورية، جاء معظم المعينين الجدد من قائمة المقربين من نجل الملك «محمد بن سلمان».

ومن بين هؤلاء المستشار العسكري «أحمد عسيري»، الذي تمت ترقيته إلى منصب الرجل الثاني في جهاز المخابرات العامة.

وبتصعيد المقربين من «محمد بن سلمان» الذي يهيئ نفسه للصعود إلى العرش، تتواصل عملية محاصرة وعزل وزير الداخلية وولي العهد «محمد بن نايف».

ووفقا للدورية الفرنسية، ظل «بن نايف» لفترة طويلة الرجل المفضل للمسؤولين الأمريكيين لكن هذه العلاقة المتميزة تم تقويضها بفعل جهود «بن سلمان» لفرض نفسه على إدارة ترامب. وبسبب قربه من قادة الأمن السابقين في عهد باراك أوباما، بدءا من جون برينان، الرئيس السابق لوكالة المخابرات المركزية، فإن هناك محاولات لعزل «بن نايف» في واشنطن بعد وقوعها تحت قبضة الجنرالات الجمهوريين.

 

الثغرة: طموح بلا مؤهلات أو خبرات

ورغم حداثة سن “بن سلمان”، وافتقاده لخبرات كبيرة سابقة، فإنه لا يبدي رغبة في انتظار دوره المحدد في سلم الخلافة، ومن ثم بات مشغولا بهدف واحد طوال تحركاته خلال العامين الماضيين، وهو ضمان تجاوز ولي العهد، الأمير «محمد بن نايف»، أثناء وجود والده في السلطة خوفا من الإطاحة به كما حدث مع عمه الأمير مقرن .

ويدرك «بن سلمان» أن ولي العهد هو أكثر أمراء السعودية حاليا تمتعا بثقة واشنطن، ومن ثم ليس من السهل إقناع الولايات المتحدة بالتخلي عنه.

وفي سبيل تحقيق ذلك، كان «بن سلمان» يسعى لتقديم نفسه كأمير قادر على حكم المملكة، لكنه اكتشف أنها مهمة ليست سهلة، فمن ناحية لم تقدمه حرب اليمن كقائد عسكري مظفر، كما لم تجعل منه “رؤية المملكة 2030” رجل الدولة القادر على قيادة تحول اقتصادي تنموي يحسب له، فضلا عن احتياج التحول الاقتصادي إلى وقت طويل لا يملكه هو، فضلا عن أن خطته ليست بالضرورة مضمونة النجاح بصورة تجعله جديرا بالحكم.

ومن هنا بدأ منزلق الرياض في سعي “بن سلمان” بالبحث عن حلفاء خارجيين يمكنهم دعم صعوده للسلطة ثم دعم حكمه فيما بعد، ولا يمكن أن يكون هذا الحليف سوى واشنطن، الحليف الاستراتيجي منذ منتصف القرن الماضي، وهنا ظهر الدور الإماراتي.

قدم «بن زايد» لـ«بن سلمان» دعما واسعا عبر جهود اللوبي الإماراتي في الولايات المتحدة للترويج له باعتباره الحليف الأنسب لواشنطن في مواجهة التطرف والإرهاب، وفي المقابل، لم يتردد «بن سلمان» في قمع رجال الدين في المملكة الذي استهجنوا تقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف وتزايد أنشطة هيئة الترفيه، وهي خطوات يعتبرها «بن سلمان» ضرورية لإثبات انفتاحه على الثقافة الغربية، وجديته في التصدي لمن تعتبرهم واشنطن متطرفين حتى لو كانوا مقربين من المؤسسة الدينية الرسمية.

وعقب تسلم الرئيس الأمريكي ترامب مقاليد الحكم بذل اللوبي الإماراتي في الولايات المتحدة جهودا مضنية لترتيب زيارة محمد بن سلمان إلى واشنطن، وحتى يقبل الرئيس الامريكي الجديد، سيضطر بن سلمان لدفع المقابل المبدئي وهو إنهاء أزمة العلاقات مع القاهرة التي أثارت قلق الاحتلال الإسرائيلي كونها زادت من مشكلات حليفها الرئيسي؛ عبد الفتاح السيسي. وبالفعل عادت «أرامكو» لضخ النفط واستُقبل السيسي في الرياض رغم أن ملف الجزيرتين لم يحسم، كما أن حملة الهجوم والإساءة للملك سلمان والشعب السعودي في الإعلام المصري لم يتم الاعتذار عنها.

 

شيطنة قطر وإزاحتها

تطورت الأمور سريعا عقب عودة بن سلمان من واشنطن، وبلغ الصراع بين النفوذ الإماراتي ونفوذ الرئيس اليمني ذروته في الجنوب, وعقب قرارات للرئيس منصورهادي أطاحت بوكلاء الإمارات المقربين قرر «محمد بن زايد» القيام باللعبة التي يجيدها: انقلاب محلي على سلطة هادي مدعوم عسكريا وماليا وإعلاميا من أبوظبي، وفيما يبدو, قدرت الإمارات أن المملكة لن تتدخل كعادتها، وأنها ستغض الطرف عن أجندة الإمارات الخاصة في جنوب اليمن.

لكن تحول الانقلاب إلى دعوة واضحة للانفصال كان أكبر من قدرة محمد بن سلمان على احتواء موقف العاهل السعودي، ومن ثم انحازت السعودية إلى وحدة اليمن، ودعمت قرارات هادي، فيما فضحت الخطوة بصورة متزايدة مخططات الإمارات ومصالحها المستقلة عن السعودية والتحالف العربي بصورة عامة في اليمن.

الإمارات حمّلت قطر وإعلامها ممثلا في فضائية الجزيرة، قسطا كبيرا من المسؤولية عن إجهاض انقلاب عدن، ويبدو أن هيمنة بن زايد على عقل ومصالح «بن سلمان» مكنته من إقناع الأخير عبر وشاية تقول إن قطر تنفذ أجندة خاصة في اليمن تهدف إلى التمكين لحزب الإصلاح، أو أنها باتت تؤثر على الرئيس اليمني أكثر مما ينبغي.

وعلى الرغم من تماهي السياسة القطرية بصورة تامة مع السعودية منذ صعود الملك سلمان، بصورة أضرت بدور قطر الإقليمي أكثر مما أفادته، فإن بن سلمان بات مؤهلا لقبول وشاية أبوظبي بشيطنة الدوحة، ليس ذلك فحسب، بل أصبح جاهزا لتنفيذ ما يخطط له محمد بن زايد حتى وإن جاء على حساب أجندة المملكة نفسها في اليمن التي تدعمها قطر أكثر من أي دولة أخرى.

لم يكن من السهل على أبوظبي التصعيد مجددا ضد الدوحة بينما الأخيرة منسجمة مع مواقف المملكة بصورة لافتة، ولم يكن ثمة مبرر في الوقت الراهن – رغم تعارض الأجندات العميق والمستمر بن الدوحة وأبوظبي – لشن مثل هذا الهجوم الواسع.

لكن الآن، أصبح بإمكان بن زايد توظيف نفوذه على بن سلمان من أجل شن هجوم إعلامي على الدوحة مستخدما ثقل الرياض السياسي والإعلامي.

وبتعليمات مركزية لا يمكن أن تصدر إلا عن «بن سلمان»، وتنفذ عبر وزير الإعلام؛ عواد بن صالح العواد, تصدت وسائل إعلام سعودية، وما زالت، بصورة مكثفة لحملة هجوم على الدوحة غير مسبوقة في تاريخ العلاقة بين دول مجلس التعاون الخليجي منذ استقلالها.

من غير الواضح حتى الآن هل يستهدف هذا المخطط انقلابا في الدوحة أم انقلابا في الرياض، أم كليهما؛ فالأكيد أنه أكبر من مجرد حجب مواقع إلكترونية أو محاولة لترويض قناة فضائية، كما أنه يمثل علامة حاسمة على المدى العميق الذي وصلت إليه تبعية القرار السياسي في الرياض لأبوظبي. 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …