تمر دنيا كل واحد منا بحلوها ومرها, وما قدمناه فيها من خير أو شر. وسينسى الذين عمروها بخير ما أصابهم من بأساء وضراء وشدة حين يرون الجزاء الأوفى، وأيضا سيرى المجرمون ومن بارزوا الله بالمعاصي وتلذذوا بإيذاء خلقه وقتلهم وحرقهم وسجنهم, سينسى هؤلاء حياتهم المُنَعمَة القصيرة إذا وقعت الواقعة. فكل نفس حينئذ بما كسبت رهينة. سيلتقي الفريقان؛ المحسن والمجرم وسيجد كل واحد منهما ثمرة وجزاء ما قدم. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولكن شتان بين رجعة ورجعة وبين موتة وهلاك.
بالأمس مات الشاب مهند إيهاب؛ عصفور الثورة عن عمر20 عاما بعد أن خرج من محاكم تفتيش الانقلاب مصابا بالسرطان، وقُتل د. محمد كمال عضو بمكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، ومن قبلهم علماء وأكابر وفضلاء, ولا يزال الشعب يُقتل؛ صغيره وكبيره, حقيره وعظيمه, على يد مجرمي العسكر بمختلف ألوان القتل، البطيء بالسجون, والقتل السريع غرقا وحرقا أو كمدا ومرضا. وفي المقابل هلك مجرمون أيضا ولكن شتان بين هؤلاء وهؤلاء؛ بين رجال أوفياء وأسافل سفهاء ورعاع غوغاء. والله قد وَعدَ هؤلاء وهؤلاء, ووعد الله حق. فمن أوفى بعهده من الله؟ لا أحد. وعداً عليه حقا. كان على ربك وعدا مسئولا. فقد وعد سبحانه بنصر المؤمنين؛ قال تعالى: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) وقال: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون). فهل يستوي المجاهدون والمجرمون, والعاملون والقاعدون, والخبيث والطيب؟. لَّا يَسْتَوُونَ، ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ (18) السجدة
ولا يزال الفاشي المجرم يكذب ويُجرم والله يملي له، وكل يوم نسمع عن موت هذا وهلاك ذاك، ونرى ولا زلنا نرى العبرة في موت الظالمين وداعمي الانقلاب، فهذا مات بمرض كذا وهذا بحادث كذا وهذا قُتل. ومنذ أيام هلك المخرج أحمد الفيشاوي بعد أصابته بأزمة قلبية مفاجئة, وهو الذي أخرج أغنية “تسلم الأيادي” بعد الانقلاب الفاشي على الشرعية وخطف رئيس مصر د .محمد مرسي وقتل وحرق الآلاف في رابعة والنهضة، وقد حقق “الكليب” رواجا بين شعب السيسي وعبيد البيادة, معبرين عن تشفيهم وفرحتهم في قتل وسجن وتشريد الأبرياء والشرفاء من شعب مصر وخيرة شبابها وعلمائها وأحرارها. رددوا هذه الأغنية في الشوارع والحواري وفي حفلاتهم.
وها هو جمال مصطفي عبده، هلك؛ رئيس محكمة جنايات الجيزة. أصيب بمرض مفاجئ بالمخ منذ عدة أسابيع ولم يتعرف الأطباء علي أسبابه، وتوفى سريعا صريعا على إثره. ولا شماتة.
ومنذ شهور هلك سامح سيف اليزل المحرض والخبير الاستراتيجي للانقلاب، تردت حالته سريعا بعد إصابته بمرض السرطان، وهو الذي كون قائمة ” في حب مصر” في انتخابات مجلس نواب العسكر. هلك سيف اليزل وأفضى إلى ما أجرم في حق مصر وشعبها.
ومن قبلهم هلك محمد حسنين هيكل عراب العسكر على مر العقود السالفة, وعراب الانقلاب الفاشي في 2013 عن عمر ناهز 93 عاما قضاها خادما للعسكر مشاركا في إجرامهم وكان مقربا من أغلب الأنظمة منذ فترة الملكية قبل ثورة يوليو1952، مشاركا في إجرامها, وكان من المخططين للانقلاب والمحرضين عليه.هلك هيكل بعد أن تعرض لأزمة شديدة بدأت بماء في الرئة ورافقها فشل كلوي وأفضى إلى ما أجرم في حق مصر وشعبها.
ومن قبلهم هلك نائب عام الانقلاب ولا ندري من قتله, وأعتقد أنهم الانقلابيون أنفسهم ليخفوا وراءه مصائبهم فلقد أخذوا منه ما أخذوا ويكفي (فض رابعة), وها قد أفضى إلى المنتقم الجبار.
ولنا في قتل رئيس مصر الخاسر جمال بالسم عبرة, ولنا في موت حمزة البسيوني بأسياخ الحديد عبرة, ولنا في قتل السادات على أيديهم عبرة, ولنا فيمن قبلهم من الطواغيت عبرة.
سيفضي الخلق إلى الخالق بما قدموا, فكل من عليها فان، ولكن شتان بين من يلقى ربه وهو على الحق شهيدا مبتسما, ومن يلقاه وهو على الباطل مُصرا ومناصرا للمجرمين، قال تعالى (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (113) هود.
فإذا وقعت الواقعة، حين يُرفع الله أناسًا ويخفض آخرين, في هذا الموقف يقف الذين آمنوا بالحق سبحانه وأحسنوا ودافعوا عن الحق (آمنين) (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم المن وهم مهتدون) الإنعام .. وعندئذ ينادي المجرمون ومن ركنوا إليهم، وكلاهما مجرم، ينادون على المحسنين الذين ثبتوا وصبروا لأجل الحق، قال تعالى على لسانهم: ( انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ). فاللهم ثبتنا على الحق واختم لنا بالإيمان بك والثبات على طريق الحق. فالجزاء من جنس العمل في الدنيا وفي الآخرة جزاءاً وفاقا.. فهل يستوي المحسن والمسيء؟ لا يستوون. قال تعالى: (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) مريم…فهل يهلك إلا القوم الفاسقون؟ كان على ربك وعدا مسئولا.. فانتظروا إنا منتظرون .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات