لعلو الهمة أسباب إذا أخذ بها العبد علت همته وارتقت نفسه، نعرض في إيجاز لبعضها عسى أن يمن علينا اللطيف الخبير بعلو الهمة .
1- الإخلاص:
وهو: نسيان رؤية المخلوقين بدوام النظر إلي الخالق تبارك وتعالى بأن تكون المشاعر والشعائر والشرائع من الله تعالى وله وحده لا شريك له سبحانه، والإيمان الجازم بأن الناقد بصير، يقول ابن القيم رحمه الله: لقاح الهمة العالية: النية الصالحة .
ورمضان يربي الإخلاص، لأنَّ الصِّيام سرٌّ بين العبد وربِّه لا يطَّلع على ذلك غيره، وحقيقته ترك حظوظ النَّفس وشهواتها الَّتي جبلت على الميل إليها لله عزَّ وجل، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: ( كُلُّ عَمَل ابن آدم لَهُ إلاَّ الصومَ فإِنَّه لي وأنا أجزي به) .
ولمَّا صار الصِّيام دليل إخلاص العبد، وعنوانًا على نَبْذِ كلِّ رياء، ومعقد السِّرِّ بين العبد وربِّه في الدُّنيا، فإنه يرفع همة المسلم ويعينه على فعل العالي من الإعمال واستسهال الصعب وبذل الغالي والثمين إبتغاء رضا الله والفوز بالجنة .
2 – الاجتهاد في طلب العلم والمثابرة في تحصيله ومطالعة ما أعده الله عزَّ وجلَّ لطالب العلم والعلماء، فإنَّ الله سبحانه قد ذكر العلماء في كتابه فقال: ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ) آل عمران : 18.
والخشية لله التي هي سبب الفوز لديه وقد جعلها الله من سمات العلماء فقال: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فاطر: 28.
وأخبر عباده بأنه يرفع علماء أمته درجات فقال: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) المجادلة :11
ورمضان شهر العلم والذكر، والمساجد بيوت الله التي أمر سبحانه أن ترفع ويذكر فيها اسمه، قال تعالى: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال} النور: 36 ،
وفي رمضان كان جبريل يلقى رسول الله ويتدارس معه القرآن، كما روى البخاري عن بن عباس رضي الله عنهما، قال : “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن .
وترتفع همة المؤمن بمشيه إلى المساجد ومكثه فيها فترفع درجاته وتحط خطاياه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً” رواه مسلم .
وحلق العلم والذكر في رمضان بها تتنزل سكينة الله ورحمته على عباده. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده). مسلم .
3 – اليقظة والتنافس في الصالحات:
ينبغي لمن أراد الارتقاء بهمته أن يخلع ثوب النوم والرقاد فيفارق بيقظته جموع الغافلين، ويعرض عن أفعال الجاهلين، فلا يقر له قرار حتى يسكن في جنة عرضها السموات والأرض، فقال الله تعالى: ( وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) آل عمران آية 133 .
قال الحسن: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره. وقال وُهيب بن الورد: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل.
ورمضان طريق اليقظة والتنافس في الصالحات، وبداية الطريق إلى اليقظة التخفف من الأوزار والتغافر والتسامح بين المؤمنين، فمن صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه، وكذلك من قام رمضان، ومن قام ليلة القدر يغفر الله له ما تقدم من ذنبه.
والتوبة سببٌ للفلاح والتدافع لعمل الصالحات والتنافس عليها، قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) النور، من الآية: 31 .
4- التطلع إلى الكمال والترفع عن النقص:
فصاحب الهمة العالية يتطلع دائما إلى الكمالات، ويترفع عن الدنايا، وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها). أي يبغض الرديء الحقير من كل شيء وعمل.
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (.. والصِّيامُ جُنَّةٌ فإِذا كان يومُ صومِ أحدِكم فَلاَ يرفُثْ ولا يصْخَبْ فإِنْ سابَّهُ أَحدٌ أو قَاتله فَليقُلْ إِني صائِمٌ) .
والصوم في رمضان وفي سائر الشهور وسيلة الى الكمال والبعد عن النقائص، فبالصوم ترتقي المشاعر وتهذب الجوارح وتعلو الأخلاق ويتحقق الإخلاص والصدق مع الله تعالى، ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى ( كُلُّ عَمَل ابن آدم لَهُ إلاَّ الصومَ فإِنَّه لي وأنا أجزي بهِ).
ورمضان شهر الصوم ومن آداب الصائم غض البصر, ومن فوائده ما ذكره ابن تيمية حيث قال: (غض البصر يورث ثلاث فوائد: حلاوة الإيمان ولذته، نور القلب والفراسة، قوة القلب وثباته وشجاعته) .
والصيام من أعظم أسباب التقوى: قال جل وعلا ( يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة 183.
ومن وجوه التَّقوى أنَّ الصَّائم يترك ما حرَّم الله عليه من الأكل والشُّرب وسائر المفطرات الَّتي تميل النَّفس إليها، متقرِّبًا بذلك إلى الله تعالى، راجيًا ثوابه. رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) .
5 – الحرص على الوقت وتوظيفه:
فأصحاب الهمم العالية يحرصون على كل ثانية, فالوقت هو الحياة، وإنما سعد من سعد، وارتقى من ارتقى في مراتب المجد من استثمر الأوقات، وكان حريصا على الدقائق واللحظات .
والطاعة في شهر رمضان تعلمنا الحرص على الوقت وتوظيفه بحيث يكونُ الوقت متوزعًا بين الصيامِ والعبادة ، فالمسلم يستيقظ قبلَ الفجر ليتهجد حيث قال الله تعالى: ” أمَن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذرُ الآخرة ويرجو رحمة ربه” الزمر .
ثم السحور حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”تسحروا فإن في السحور بركة” متفق عليه .
وفي وقت السحر يكون الاستغفار حتي آذان الفجر, قال تعالى : “وبالأسحار هم يستغفرون ” الذاريات.
ثم أداء سنة الفجر لقوله صلى الله عليه وسلم: “ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها”.
ولم يكن أبدا رمضان شهر كسل وتراخٍ يسهر الناس ليله وينامون نهاره، فهو شهر العمل، والعمل عبادة يسعى بها المسلم إلى إرضاء ربه ومولاه، فلقد ربط الله سبحانه بين الصلاة والسعي في الأرض فقال تعالى: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) 10 الجمعة،
وربط النبي صلى الله عليه وسلم بين الصوم والعمل, فقَالَ عن شهر شعبان إنه ( شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِى وَأَنَا صَائِمٌ) رواه أحمد والنسائي عن أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ .
وتاريخ المسلمين الطويل شاهد على أن رمضان شهر الجهاد والانتصارات الكبرى للمسلمين، فكانت فيه غزوة بدر الكبرى 2هـ، وفتح مكة 8هـ ، موقعة البويب 13هـ في عهد عمر بن الخطاب على ضفاف نهر الفرات، وفتح الأندلس 29هـ على يد طارق بن زياد، وفتح عمورية 223هـ, وعين جالوت، وفتح أنطاكية 666هـ بقيادة الظاهر بيبرس، ومعركة شقحب 702هـ بمدينة دمشق على المغول، والعاشر من رمضان 1393هـ حيث انتصر المصريون والعرب على اليهود على أرض سيناء، كل هذه الانتصارات كانت في شهر رمضان المبارك .
6 – الاهتمام بواقع الأمة والسعي لإصلاحه:
أصحاب الهمة العالية أشد انشغالا بقضايا أمتهم وإحساسا بآلامها، يفرحون لفرحها، ويحزنون لما أصابها؛ قال تعالى: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) آل عمران : 104 .
ويدفعهم ذلك الشعور إلى العمل لرفعة أمتهم وعزها واستعادة سؤددها وكرامتها، فيوقنون بمسؤليتهم نحو أمتهم ويسعون إلى إصلاح المجتمع الذي يعيشون فيه.
وفي رمضان توثق روابط الأمة، وتقوى صلة الأرحام وذوى القـربى، حيث يتم التزاور بين الأسر والعائلات، ويسعى المؤمنون لقضاء حوائج بعضهم بعضا. ولزكاة الفطر أثرها الفعال في تحقيق التكافل، وكذلك الكفارة على من يفطر يوما عمدا، فضلا عن تبادل الهدايا المالية والعينية بين المسلمين.
قال تعالى: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) الرعد:11 .
ورمضان شهر التغيير والإصلاح، وتصاحب هذا الشهر الكريم انطلاقة قوية وصادقة لعودة الأمة إلى الله تبذل فيها الجهود الكبيرة لواجب الدعوة الى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبصيرا وهداية للغير ممن غفل عن الحق والهدى, وهذا هو الطريق لوصول الأمة إلى العزة والقوة والجهاد والنصر بإذن الله, قال تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ) محمد:7
7 – مصاحبة أصحاب الهمم ومطالعة سيرهم:
من أراد تحصيل الهمة العالية فليصاحب أصحاب الهمم العالية، فإنه يستفيد من أفعالهم قبل أقوالهم، ومن لم يوفق لصحبة هؤلاء فليكثر من مطالعة سيرهم، وقراءة أخبارهم فإن ذلك مما يبعث الهمة، ويدعو إلى علوها.
يقول ابن الجوزي: (فسبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب، التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر من المطالعة؛ فإنه يرى من علوم القوم، وعلو هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة, فعليكم بملاحظة سير السلف، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم) (19) . إلى أن قال: (فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم، وحفظهم وعباداتهم، وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع، فصرت أستزري ما الناس فيه، وأحتقر همم الطلاب) (20).
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات