أين أنت من الصدقة وحسن الخلق وصلة الأرحام في أيام العشر؟

كان الحبيب صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، ما في ذلك شكّ، لا يلحقه في ذلك أحد، لكنه في الأوقات الفاضلة كان يتجاوز حدودَ الجود المعهود عنه صلى الله عليه وسلم إلى آفاقٍ لا يحيط بها البشر.
فأين أنت في هذه الأيام الفاضلة من سَدِّ حاجةِ محتاجٍ؟
أين أنت من إطعام جائع؟ أين أنت من كسوة عارٍ؟… أين أنت من إخوانك المسلمين المحتاجين الضعفاء؟
نحن على أبواب عيد مبارك وقد جعل الله من شعائره ذبْحَ الأنعام وإطعامَ القانع والمعترّ ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الحج: 36). الفقراء ينتظرون هذا اليوم؛ لأنهم يعرفون أن أيدي الصالحين تمتد فيه بالعطاء، والصالحون ينتظرونه لأنهم يترقَّون فيه درجاتٍ عاليةً في العطاء والسخاء.
أنت إن أعطيت لم تُعْطِ للمسكين ولا للفقير ولا للمسجد ولا للعمل الخيري. أنت تعطي لأكرم الأكرمين الذي يردُّ على المحسن إحسانَه أضعافًا ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: 60)،
وهو لا يردُّ الإحسانَ بإحسانٍ، بل يرد الإحسانَ الواحدَ بسبعمائة إحسان، بل بألوف وأضعاف مضاعفة.
فهل تُعامِل اللهَ بالصدقة في هذه الأيام أو تستجيب لنداء الشيطان الذي يقول عنه الرحمن جل وعلا: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾، والشيطان لا يملك شيئًا، ولكنَّ الرحمنَ يملك كلَّ شيء ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

أين أنت من حسن الأخلاق؟
لقد بُعث النبي صلى الله عليه وسلم متمِّمًا لمكارم الأخلاق، داعيًا لأحمدها وأرشدها، موصيًا بحسن الخلق سائرَ أصحابه وأحبَّته، فقد أخرج مالك أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: آخر ما أوصاني بِهِ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم حين وضعتُ رجلي في الغرز أن قال: “أحسِن خلُقَكَ للناس يا معاذ بن جبل”.
وعدَّ حسن الخلُق تمامَ البرّ، فأخرج مسلم عن النواس بن سمعان الأنصاري- رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البرِّ والإثم، فقال: “البرُّ حُسْنُ الخُلُق..” (الحديث).
وعبر صلى الله عليه وسلم عن الدرجة العليا والأجر العظيم لحسن الخلق، فيما أخرجه أبو داود وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم”.
ولِمَ لا وحسن الخلق هو أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة، فقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق”، وفي رواية الترمذي: “مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ”،
وأخرج الترمذي وصحَّحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟! فَقَالَ: “تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ”.
وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين إيمانًا، فقال فيما أخرجه أبو داود والترمذي وصححه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: “أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا”.
فأين أنت من التدرُّب على تحسين أخلاقك، وخاصةً في هذه الأيام العشر؟
أين أنت من صلة الأرحام؟
صلة الرحم من أفضل الأعمال وأعظمها أجرًا، وقد قرن الله تعالى قطع الأرحام بالفساد في الأرض، فقد أخرج الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَها: مَهْ!! قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟. قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ.. قَالَ: فَذَاك. ِ” قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.
وفضلاً عن كون صلة الرحم محبةً للأهل وسببًا في بركة الرزق والعمر وتعجيل الثواب؛ فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم أحب الأعمال إلى الله بعد الإيمان بالله، فقد أخرج ابن أبي عاصم وأبو يعلى عن رجل من خثعم أنه قال: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ قال: “إٍيمَانٌ بِاللهِ تَعَالَى” قال: يا رسول الله، ثم مَهْ؟ قال: “ثُمَّ صِلَةُ الرَّحِمِ”.
فاحرص أخي المسلم الكريم على اغتنام هذه الأيام المباركة لتصل رحمك وبخاصة ما انقطع منها لأي سبب، واعلم أن الوصل لا يعني أن تصل أولئك الذين يصلونك ويجاملونك، بل الوصل الحقيقي هو وصل من قطعوك أو قطعت بينك وبينهم الظروف أو الخصومات، فقد أخرج البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا”.
فلتحرص على صلة رحمك في هذه العشر المباركة، جعلنا الله وإياكم من الواصلين.

شاهد أيضاً

يوم عرفة.. أسرار وفضائل

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وصلاة وسلامًا …