إسرائيل تجذب الشواذ حول العالم وتل أبيب عاصمتهم بالشرق الأوسط

في مايو المنصرم، وعلى أعتاب شهر “الفخر” كما يُسمِّيه أنصار مجتمع الشواذ والمتحوِّلين جنسيا (LGBTQ) حول العالم، وقفت اللوحات الإعلانية الجذابة في أكثر المناطق حيوية بلندن وأمستردام ونيويورك، موجِّهة رسائلها إلى الجمهور بأن يقوموا بشيء جديد في يونيو من هذا العام، وهو زيارة دولة الاحتلال الإسرائيلي باعتبارها “أفضل مكان في العالم للاحتفال بأسبوع فخر مختلف”، يتضمَّن قضاء إجازة ممتعة على شواطئ المدن الإسرائيلية أو سهرة ليلية في النوادي الخاصة بالشواذ في إسرائيل التي تُرحِّب بجميع الأديان واللغات والهويات الجنسية حسبما تروِّج له تل أبيب.

تفخر إسرائيل بأنها أكثر الدول انفتاحا تجاه مجتمع الشواذ والمتحوِّلين جنسيا في الشرق الأوسط اليوم، حيث ألغت عام 1988 تجريم الشذوذ دون اعتراف بزيجات الشواذ رسميا، وألغت التمييز ضدهم في التوظيف عام 1992، وسمحت لهم بالالتحاق بالجيش عام 1993، وبتدشين مسيراتهم السنوية عام 1998، وأخيرا أتاحت لهم خيار تبنِّي الأطفال عام 2005. ورغم أن الدوائر اليهودية المحافظة داخل إسرائيل لا تزال تتحفَّظ على انتشار الشذوذ، فإن هناك قبولا اجتماعيا واسعا لذلك التوجُّه كما يشي بذلك استطلاع للرأي أُجري عام 2017، وعبَّر فيه 79% من المشاركين الإسرائيليين عن دعمهم لزيجات الشواذ. أما تل أبيب فقد حازت تقديرا عالميا بسبب انفتاحها على الشواذ، حيث قال 43% من مجموعة شواذ من شتى أنحاء العالم إنها مدينتهم المُفضَّلة لقضاء عُطلة، وذلك في استطلاع أجراه موقع مُخصَّص لشؤون الشذوذ بالتعاون مع خطوط الطيران الأمريكية.

إسرائيل “ملاذ الشواذ”

في تل أبيب، تلك المدينة الصاخبة التي يُطلَق عليها “عاصمة الشواذ في الشرق الأوسط”، لا يشعر مجتمع الشواذ والمتحوِّلين، الذي يُعرَف بـ”مجتمع الميم”، بالخوف أو القلق من التعبير عن هويته، حيث يضع المنتمون له “أعلام قزح” على المباني التي يقطنون بها، ويرفعونها خلال فعالياتهم، وهو أمر مُتاح لهم منذ التسعينيات، حيث تشتهر المدينة بما تُسمى “مسيرات الفخر” التي لا تقل زخما عن نظيراتها في شتى العواصم الغربية. ولا يقتصر الأمر على تل أبيب اليوم، إذ يصل حضور الشواذ إلى بلدات مُحافِظة مثل “حريش” الواقعة بمنطقة حيفا شمالي دولة الاحتلال، تلك البلدة التي توجد بها نسبة كبيرة من المتشددين اليهود، ورغم ذلك نشط الشواذ فيها على مدار السنوات الماضية.

حين تأسَّست دولة الاحتلال، فإنها ورثت القوانين نفسها التي سنَّها المستعمر البريطاني، وحظرت الشذوذ الجنسي كما جرت العادة في معظم الدول الغربية آنذاك. ولكن بعد مرور عقدين، افتُتِحَت أول حانة للشواذ داخل شقة خاصة في تل أبيب، وتبعتها سلسلة من نوادي الشواذ الأخرى بالتزامن مع انتشار ظاهرة الشذوذ في المجال العام الغربي في الستينيات والسبعينيات. ومع حلول عام 1975، تأسست أول منظمة إسرائيلية لحماية حقوق الشواذ، وفي عام 1988، الذي أُطلق عليه عام “ثورة المثليين في إسرائيل”، بدأ التحرُّك نحو إضفاء الشرعية على الشذوذ الجنسي بحظر أشكال مختلفة من “التمييز”، وهو ما تكلَّل بنجاحات تدريجية لمجتمع الشواذ طيلة التسعينيات ومطلع القرن الجديد.

مع مرور الزمن، لم يعد الأمر يقتصر على خدمة الجنود الشواذ علنيا في جيش الاحتلال، بل وصل هؤلاء إلى مراكز صنع القرار السياسي في الكنيست الإسرائيلي، فقد عُيِّن “عوزي إيفين” بوصفه أول مُشرِّع إسرائيلي عن مجتمع الشواذ عام 2002، في حين وصل عدد أعضاء الكنيست من الشواذ في يونيو 2020 إلى رقم قياسي جديد أصبح فيه ستة أعضاء شواذ من الرجال يُمثِّلون أحزابا من مختلف الأطياف السياسية، بما في ذلك حزب الليكود بقيادة رئيس الوزراء آنذاك “بنيامين نتنياهو”، رغم أنه حزب محافظ كما يُفترض ويملك علاقات وطيدة مع الجماعات اليهودية المتطرفة.

لطالما لعبت إسرائيل ورقة أنها الدولة الليبرالية الوحيدة في المنطقة العربية التي تُهيمن عليها نظم سلطوية ومحافظة دينيا. وفي هذا السياق، فإنها استخدمت “انفتاحها الجنسي” ورقة جذب أمام الشباب “المقهور جنسيا” في العالم العربي كجزء من تلك السياسة الدعائية، حيث لجأ إليها قلة من الشباب العرب بالفعل باعتبارها “واحة الحريات الجنسية” في المنطقة. وبدورها، تستخدم تل أبيب حكايات هؤلاء للترويج لوجودها في الشرق الأوسط ولجاذبية نموذجها الاجتماعي الذي يُخفي بطبيعة الحال الوجه الاستيطاني لنظامها. وأحد أشهر الوجوه العربية التي نجحت إسرائيل باستقطابها مُبكرا هي “محمودة رياض”، التي وُلِدت ذكرا لأسرة عربية في الجليل في أربعينيات القرن الماضي، ثم سافرت إلى إسرائيل وأجرت عملية تحوُّل جنسي في الستينيات واشتغلت بالبغاء، وأخيرا غيَّرت اسمها العربي إلى اسم “ناعومي” العبري.

شاهد أيضاً

25 ألف صهيوني اقتحموا الأقصى خلال النصف الأول من 2026

اقتحم 144 مستوطنًا، اليوم الخميس، باحات المسجد الأقصى المبارك من جهة باب المغاربة، تحت حماية …