هناك تلازم وتساند بين الاستبداد والفساد؛ فالاستبداد لايمكن أن يستمر إلا فى وجود الفساد, ولا يترعرع الفساد إلا برعاية الاستبداد, ومقولة المستبد العادل هى وهمٌ أشاعه المستبدون الفسدة.
وفى مصر, وجد الاستبداد فى الفساد ظهيرًا ومعينًا, ووجد الفساد فى الاستبداد راعيًا ومقننًا لأوضاعه, ومنذ حكم العسكر فى يونيو 1952بدأ الحلف غير المقدس بين الاستبداد والفساد, فقد غض جمال عبد الناصر النظر عن فساد بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة فى سبيل تركه ينفرد بالحكم, وقدم الفسدة من أهل الثقة على أهل الكفاية والأمانة, لتثبيت حكمه.
واختار السادات الفاسدين والمجروحين كما حكى أنيس منصور وذلك حتى لايستطيع هؤلاء المجروحون مواجهة استبداده.
وفى عهد حسني مبارك حدث التزاوج بين السلطة المستبدة ورأس المال الفاسد.
أما فى عهد الانقلاب ومع توحش الاستبداد فقد تم تقنين الفساد ومحاربة معارضيه, وتماهى الاستبداد والفساد, وقد بدا ذلك منذ اليوم الأول للانقلاب بتولى اللواء محمد فريد التهامى رئيس هيئة الرقابة الإدارية فى عهد حسني مبارك وحامي فساده وفساد كبار أركان حكمه منصب مدير المخابرات العامة.
ومع تولي السيسي السلطة اختار إبراهيم محلب مهندس فساد قضية القصور الرئاسية رئيسا للوزراء, ولما أراد استبداله جاء بشريف إسماعيل؛ المشارك فى قضية فساد توريد الغاز إلى إسرائيل وأعفى هشام جنينه من رئاسة الجهاز المركزى للمحاسبات بعد تمسكه بالرقابة على أجهزة البطش والاستبداد وكشفه للفساد بوزارة الداخلية وبعض الجهات السيادية وإعلانه لذلك.
أما على صعيد تقنين الفساد فهناك واقعتان أصدر فيهما النظام الانقلابى قرارات بقوانين لحماية الفساد والفاسدين؛ الأولى فى عهد عدلي منصور والثانية فى عهد السيسي, وصدق عليهما برلمان الانقلاب بعد ذلك.
أما الأولى؛ فهوالقرار بقانون رقم 32 لسنة 2014 الذى صدر في 22 من ابريل من عام 2014 , وأصدره عدلي منصور وكان وراءه وزير الاستثمار ورجل الأعمال منير فخري عبد النور, لينظم إجراءات الطعن على عقود الدولة, وكان هناك استعجال في صدور هذا القانون حتى أنه صدر بدون مراجعته من قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة, وجرى تطبيقه بأثر رجعي على الدعاوى المقامة أمام القضاء الإداري قبل صدوره, مالم يصدر فيها حكم نهائي بات, وألزم المحاكم برفض تلك الدعاوى التي كانت تنظرها من تلقاء نفسها, وكان صدور القانون على وجه السرعة وبهذا العوار الدستوري, والاعتداء على سلطة القضاء لمنع القضاء من الحكم بفسخ عقود بيع شركات قطاع الأعمال للفسدة من رجال الأعمال, وهي العقود التي شابها الفساد والتربح وتسهيل الاستيلاء على المال العام. وكانت بعض القضايا جاهزة للحكم فيها مثل قضايا فسخ عقود بيع أسمنت أسيوط, وأسمنت بورتلاند, ونوباسيد, والنوبارية لإنبات البذور, والقاهرة للزيوت والصابون, مما حدا بالقضاء الإداري بقبول الطعن بعدم دستورية ذلك القانون وإحالته للمحكمة الدستورية العليا التي لم تفصل فيه حتى الآن, وراج وقتها دفع رجال الأعمال الذين استولوا على المال العام مبلغ خمسة ملايين جنيه عن كل قضية لعدلي منصور ومنير فخري عبد النور لإصدار هذا القرار بقانون.
وحتى لا يسجن كبار المسؤولين الذين سهلوا الاستيلاء على المال العام أصدر السيسي القرار بقانون رقم 16 لسنة 2015 ليعدل به المادة 18من قانون الإجراءات الجنائية وأضاف المادة 18 ب مكرر, التى أجازت التصالح في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثانى من قانون العقوبات, وهى الخاصة باختلاس المال العام أو تسهيل الاستيلاء عليه من قبل الموظفين العموميين, وبذلك تكتمل دورة سرقة المال العام, وإذا ضُبط الفاسدون كان القانون جاهزا لحمايتهم من السجن, وأقصى جزاء يمكن أن يقع عليهم هو رد الأموال التي استولوا عليها في تلك الواقعة, وفى حادثة فساد القمح التي كشفها تقرير تقصي الحقائق عن الفساد في توريد القمح خير تطبيق لذلك القانون.
وبذلك كشفت مؤسسة الرئاسة الانقلابية عن وجهها القبيح في رعاية وتقنيين الفساد في مصر.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات