البحرين
للتدخلات الإيرانية في شؤون البحرين تاريخٌ يعود إلى العهد القاجاري الذي لم يخف أطماعه في البحرين. وفي عام 1919 كانت هنالك أصوات في إيران تطالب بتعيين ممثل لمحافظة “البحرين” في البرلمان الإيراني، وفي عام 1922 أرسلت القنصلية البريطانية تقريرًا يفيد بأن الموظفين في الجوازات الإيرانية قاموا بمصادرة جوازات البحرينيين القادمين بوصفهم من رعايا إيران. وفي عام 1923 شدد القنصل الإيراني على جميع المواطنين في البحرين ضرورة تسجيل أسمائهم لدى القنصلية الإيرانية.
سجل الدعاوى
أثارت إيران عام 1927 موضوع تبعية البحرين لها في عصبة الأمم، وادعت في المذكرة التي قدمتها بأنها كانت المسيطرة على البحرين في معظم عصور التاريخ. وفي العهد البهلوي اعترضت إيران على توقيع البحرين عقداً مع إحدى الشركات الأجنبية بخصوص النفط، وقالت إن الاتفاق تم بدون موافقة إيران، وفي عام 1946 أصدر البرلمان الإيراني قراراً يقضي بعزم إيران ممارسة سيادتها على البحرين، كما أصدرت وزارة التعليم الإيرانية في العام 1951 قراراً بأن يدرس التلاميذ في المدارس أن البحرين تنتمي لإيران.
وأعلنت إيران عام 1957 إلحاق البحرين بالتقسيمات الإيرانية وخصصت في برلمانها مقعدين عن البحرين، كما أصدرت الحكومة الإيرانية في عام 1975 قراراً جديداً يقضي بضم البحرين إلى الأراضي الإيرانية باسم الإقليم الرابع عشر.
ومنذ قيام ثورة عام 1979، لم تكف طهران عن التدخل في الشأن الوطني للبحرين فعمدت إلى دعم وإنشاء جماعات وشبكات إرهابية في المنطقة، ففي عام 1981 حاولت عبر الأحزاب الموالية لها “القيام بانقلاب عسكري في البحرين، وهو الاتهام الذي أكده هادي المدرسي في صحيفة الشراع اللبنانية بقوله “تلك تهمة لا أنكرها وشرف لا أدعيه”.
وفي أواخر عام 1981 ألقي القبض على مجموعة دفعت بها إيران لقلب نظام الحكم في البحرين. وقد تلقى المتآمرون تدريبات على استعمال المتفجرات وأعمال التخريب في إيران وتم تهريبهم إلى داخل البحرين، وكان المخطط يتألف من أمور عدة من بينها، أسر بعض الوزراء رهائن، واحتلال مقر الإذاعة والتلفزيون، والدعوة لثورة شعبية لتأسيس جمهورية إسلامية يقودها هادي المدرسي، ويتم بعدها ضم البحرين إلى إيران.
أما ما حدث في البحرين منذ فبراير 2011 فإن التدخل الإيراني تجاه هذه الأزمة كان سافراً ويؤكد ما حمله التاريخ من أطماع إيرانية, حيث تم تهيئة كل سبل الدعم لتصعيد الأزمة في سلسلة متزامنة من البيانات والفتاوى العدائية ومروراً بالدعم السياسي والتعبئة الإعلامية والدعم اللوجستي والتسلل وتهريب السلاح، ومن أبرز محطات الدعم الإيراني لهذه الأزمة على سبيل المثال لا الحصر:
التصريحات الصادرة من رموز مؤسسات الحكم الإيرانية: فعند رصد ومتابعة التصريحات الصادرة من رموز مؤسسات الحكم الرسمية الإيرانية تجاه أزمة 2011، يتّضح أن التدخلات الإيرانية في شؤون البحرين جزء أساسي من عقيدة السياسة الخارجية للحكومة الإيرانية بدءاً من خطابات المرشد الأعلى للثورة ومستشاريه، وتصريحات رئيس الجمهورية، وبيانات وزارة الخارجية، إلى جانب الحشد الهائل من تصريحات مؤسسات الدولة الرسمية (وزارة الدفاع، ومجلس الشورى، مجلس صيانة الدستور، الحرس الثوري، المجلس الأعلى للأمن القومي), وقد أجمعت كلها على أن مايجري في البحرين يمثل قضية مفصلية لإيران.
الدعم اللوجستي الإيراني:
بتاريخ 25 يوليو 2015 أعلنت وزارة الداخلية البحرينية عن إحباط عملية تهريب متفجرات وأسلحة عن طريق البحر إلى البحرين مصدرها إيران، وقد أوضحت بأن المجاميع التي تم القبض عليها، تلقى أفرادها تدريبات عسكرية بإيران في أغسطس 2013 وأخضعوا لتدريبات فنية مكثفة على كيفية صناعة واستخدام المواد المتفجرة (C4) كما تم تدريب هذه العناصر على الغوص وطرق تنفيذ عمليات التفجير تحت سطح البحر بالإضافة إلى الرماية باستخدام سلاح الكلاشنكوف، وذلك بمعسكراتِ الحرس الثوري تحتَ إشراف مدربين إيرانيين، كما صرفت لهم ملابس عسكرية وتم تمويلهم بمبالغ مالية لشراء قارب وسيارة لتنفيذ عمليات التهريب.
وبتاريخ 30 سبتمبر 2015 كشفت وزارة الداخلية عن مخبأ للمتفجرات تحت الأرض في قرية النويدرات وسط منطقة مأهولة بالسكان، حيث تم العثور على كميات كبيرة من المواد شديدة الانفجار والمواد التي تدخل في صناعتها، قدرت بأكثر من (1.5) طن ومن ضمنها مادة C4 و RDX شديدة الانفجار ومادة TNT المتفجرة بالإضافة إلى مواد كيميائية وعدد من العبوات المتفجرة الجاهزة للاستخدام وأسلحة أوتوماتيكية ومسدسات وقنابل يدوية وكميات من الذخائر الحية والأجهزة اللاسلكية. وقد تبين من خلال عمليات البحث والتحري وجمع المعلومات أن المقبوض عليهم على ارتباط وثيق بعناصر إرهابية موجودة في العراق وإيران.
هذان مثالان على الدعم الإيراني اللوجستي، حيث تشير معدلات التدخل منذ فبراير 2011 حتى نهاية العام 2015 أن هناك 18 قضية لتنظيمات إرهابية مرتبطة بإيران أو العراق أو بحزب الله اللبناني، بلغ عدد المتهمين فيها 422 متهماً. وهناك اعترافات من هؤلاء المتهمين بتلقي تدريبات في معسكرات تحت إشراف الحرس الثوري في العراق, وفي لبنان. كما أنه من بين التهم أيضاً إدخال الأسلحة والمتفجرات، والسعي والتخابر وإحداث التفجيرات داخل البحرين بالتنسيق مع أفراد خارج البحرين. وحتى يوليو 2015 أنهت نيابة الجرائم الإرهابية بالبحرين التحقيق في 17 قضية إرهابية تتعلق بالعام 2014، شملت تنفيذ تفجيرات، والتخطيط لأعمال إرهابية، جميعها كانت خلاياها وتنظيماتها قد تلقت تدريبات عسكرية في إيران.
وتؤكد الأزمة التي عاشتها مملكة البحرين منذ فبراير 2011 أن الأطماع الإيرانية تجاه البحرين مستمرة، وأن سياسة طهران تجاه البحرين ثابتة وإن تغيرت وجوه النظام الإيراني، أو تغيرت أدواته.
مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات