تتصدر إيران “الإرهاب المنظم” في العالم، وتطال أذرعها الدول العربية والإسلامية، في ظلّ نفوذ “خفي” تمارسه مؤسسات الدولة الرسمية من أجهزة مخابرات ومؤسسات دبلوماسية، ومؤسسات ثقافية غير حكومية، تعمل لصالح ولاية الفقيه الرامية إلى إيجاد الإمبراطورية الفارسية الإيرانية, عاملة في نشر “التشيع” في دول العالم الإسلامي، لا سيما الفقيرة منها، ضاربة على وتر الفقر والحاجة والجهل.
مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية بصدد إصدار تقريره السنوي الموسع بعنوان “استراتيجيات ولاية الفقيه الإيرانية تجاه الوطن العربي والعالم الإسلامي)، وهو أحد أهم المشاريع الكبرى للمركز في عام 2016 .
ويقدم الدكتور بسام ضويحي؛ رئيس مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية الكتاب قائلا إنه يمثل جزءاً أولياً مكثفاً من التقرير الاستراتيجي الموسع: (استراتيجيات عمل ولاية الفقيه الإيرانية تجاه الوطن العربي والعالم الإسلامي) الذي سيصدر لاحقا هذا العام، وهو أحد المشاريع الكبرى التي أنجزها مركز أمية لعام 2016 ؛ وقد آثر المركز أن يستبق الزمن ليضع بين أيدي قرائه نصاً مركزاً يتضمن خلاصات ونتائج التقرير العام ويتوزع على ثلاثة أقسام :
القسم الأول؛ يركز على استراتيجية إيران تجاه الدول العربية، وشمل (السعودية، الكويت، البحرين، سورية، العراق، فلسطين، الأردن، لبنان، مصر، الجزائر، المغرب، السودان، موريتانيا) فيما تتبع القسم الثاني؛ الجهاز الدبلوماسي الإيراني وأغطيته الاستخبارية والثقافية وطريقته في اختراق المؤسسات الحكومية والمنظمات الإسلامية وعن الكيفية التي تجري بها عملية التسلل داخل هذه الدول لاحتواء أهم الشخصيات والتحرك على بعض الرموز لتجنيدهم بهدف استغلال مركزهم الاجتماعي، ترويجاً للمشروع المذهبي وبثه بين مسلمي إفريقيا، وقد توزع هذا القسم على ثلاثة أجزاء، شملت المقدمات الأساسية للنفوذ الإيراني من حيث المقاصد والغايات، واتجه الجزءان الثاني والثالث إلى عرض وتوصيف أنشطة ولاية الفقيه ومايقوم به دعاتها من التبشير المذهبي/السياسي في دول غرب وشرق إفريقيا والقرن الإفريقي، ولإتمام الفائدة خصصنا لكل دولة من هذه الدول مبحثا مستقلا.
أما القسم الثالث ؛ فقد كرس للحديث عن خطط ولاية الفقيه وأساليب عملها تجاه كل من تركيا وأندونيسبا وولاية كيرالا الهندية.
ساهم في إعداد هذه الدراسات نخبة من الباحثين والمفكرين وذوي الاختصاص بالشأن الإيراني[*] حرصوا فيها على توخي الدقة والموضوعية في عرض الوقائع وتحليل الأفكار، وصولاً إلى نظرة تكاملية لفهم واستيعاب غايات ومرامي الإستراتيجة الإيرانية والكشف عن أسباب نزعتها العدوانية تجاه الدول العربية والإسلامية.
وقد أولى الباحثون أهمية بالغة للخطاب الإيراني وتطور مشروعه الجيوسياسي وانتقاله من مرحلة الكتمان المخاتل إلى مرحلة الإعلان الصريح عندما كشف عن مطامعه التوسعية؛ بالقول بأن أربعاً من الدول العربية أصبحت في قبضة يده وقد حتم ذلك تحليل مجريات الواقع وفقاً لمنطق العمل الإيراني؛ الذي تتكامل فيه القوى الناعمة والصلبة من (الدبلوماسية، الإعلامية، الاستخبارية، الثقافية) إلى استخدام القوة القاهرة المزودة بكل أنواع الأسلحة والذخائر، وتعين أيضا أن تجري دراسة الدوافع الكامنة والخفية من إصرار طهران على تدخلاتها المستمرة وما ترتكبه قواتها ومليشياتها من جرائم ضد المدنيين وما تلحقه طائراتها من دمار في البنى التحتية في مدن العراق وسورية وما أشاعته من إرهابٍ عنيف وانتهاكات وحشية بين مواطني البلدين وما ترتكبه قوات الحرس الثوري من مجازر التطهير الطائفي وجرائم حرب ضد الإنسانية، فضلا عن التجريد السكاني والتغيير الديمغرافي الذي أحدثه فيلق القدس في العديد من المحافظات والبلدات العراقية والسورية، وما تقدمه إيران للأحزاب والمليشيات الموالية لها من سلاح وأموال في لبنان والعراق واليمن والسعودية والبحرين والكويت وفي بلدان عربية أخرى وما تمارسه أجهزتها الاستخبارية وفرقها القتالية من عمليات قذرة وانتهاكات ضد المدنيين العزل، والعبث بالأمن الداخلي لدول الإقليم وما جاورها في الحواضر العربية والإسلامية وتسللها الاستخباري الناعم إلى القارة الإفريقية تحت شعار تحرير المستضعفين، عامدة إلى تفكيك وحدة الدول والمجتمعات وإثارة الفتن الطائفية وتغذية النزعات الانفصالية، وإشعال الحروب الأهلية بين أبناء الأمة الواحدة بدعوى (المظلومية الزائفة)، وصولاً إلى المطالبة بإقامة دويلات طائفية موالية لولاية الفقيه، ولعل تدخلها العسكري المباشر، في سورية والعراق وزج قواتها النظامية وفصائل المرتزقة الموالية لها ضد شعبي البلدين كان سبباً كافياً لإشاعة الرعب داخل البلدين وكان من تداعياته هجرة الملايين خارج الأوطان.
وقد حرص مركز أمية على توثيق هذه الانتهاكات طبقاً للبيانات الرسمية والوقائع الميدانية، ابتداءً من زرع الخلايا وبناء الحاضنات الإيديولوجية إلى إعداد وتدريب المليشيات والمرتزقة، وقد كثفت الدراسات في مجمل فصولها على تحليل استراتيجية ولاية الفقيه الاقتحامية وبيان مراميها وآليات عملها في تصدير الفوضى، والتوصيف الدقيق لطبيعة أنشطتها وكشف أغطيتها الاستخبارية، وما تلجأ إليه من الحروب النفسية وما يستعمله جهازها الإعلامي المضلل من أساليب في التعبئة المضادة والتحريض على الإرهاب المسلح.
المملكة العربية السعودية
بسبب تعاظم التدخل الإيراني في الشؤون العراقية فقد اختلف الموقف السعودي تجاه إيران؛ فقد أكد وزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل في أواخر عام 2005م أن الولايات المتحدة مسؤولة عن التناحر الطائفي في العراق، وأن واشنطن تسلم العراق للإيرانيين على طبق من ذهب، وذلك انطلاقاً من شعور السعوديين بالدور الإيراني المتعاظم في العراق، وبالمضار التي ستصيبهم لما يحصل جراء هذا الدور. وفي هذا الصدد أكدّ الوزير أن إيران، تمثل أكبر الرابحين من الغزو الأمريكي للعراق حتى باتت أقوى من الدول الخليجية مجتمعة، ليس من ناحية نفوذها داخل العراق، وإنما بوصفها لاعباً إقليمياً مهماً. وقد غاب عن السعوديين أن سقوط النظام في العراق سيقود إلى تعاظم الدور الإيراني فيه؛ ومن ثم في الخليج أكمله.
فتفاقم الوضع في العراق مؤخرا زاد من التدخل الإيراني في شؤونه الداخلية حتى أصبح الموضوع العراقي ورقة إيرانية رابحة تجاه دول المنطقة عامة، والولايات المتحدة خاصة.
أولاً-النفوذ الإيراني
مثَّل تصاعد النفوذ الإيراني في منطقـة الشرق الأوسـط -لاسيما عقب الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003- مصدر قلق كبير لدول عربية عديدة، على رأسها المملكة العربية السعودية، التي رأت في تنامي النفوذ الإيراني بالعراق واليمن من ناحية، وسعيها الدؤوب لامتلاك تكنولوجيا نووية – وفق التصريحات الغربية لاسيما الأمريكية -من ناحية أخرى تهديدًا حقيقيًّا لمصالحها القومية؛ ولهذا حاولت الرياض أن تحقق توازنًا مع طهران من خلال لعب دور إقليمي فاعل يهدف إلى محاصرة النفوذ الإيراني واحتوائه، وهذا ما تركز عليه جيسيكا دروم الباحثة المساعدة بـمعهد مونتيري للدراسات الدولية ومركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي في دراسة بعنوان “التنافس من أجل النفوذ .. رد الفعل السعودي على البرنامج النووي الإيراني المتقدم من التحالف إلى العداء”.
ترصد جيسيكا في بداية دراستها تطور العلاقات السعودية الإيرانية، فتقول: إنَّها مرت بفترات من المد والجزر خلال العقود الماضية، متأرجحة بين التعاون وربما التحالف في فترات تاريخية معينة، وبين العداء الشديد الذي وصل إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية.
ثانياً- صحوة إقليمية سعودية
تبين جيسيكا دروم في دراستها حول ( الدور الإقليمي السعودي الهادف – بصورة أساسية – إلى محاصرة النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة أو على الأقل موازنته).
- أن الرياض اعتمدت في تعزيز دورها الإقليمي على عاملين أساسيين:
العامل الأول: يتمثل في ارتفاع أسعار النفط، التي تجاوزت حاجز المائة دولار. فالسعودية تعتبر أكثر ثراءً من إيران، وهو أمر من المتوقع ألا يتغير، خاصة إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع، وبينما تتزايد ثروة الرياض من النفط، ومن ثَمَّ نفوذها الإقليمي، يعاني الاقتصاد الإيراني بشدة من أزمات حادة.
العامل الثاني: يتمثل الدور السعودي في المنطقة، في المكانة الرمزية للمملكة والشرعية التي تمتلكها بوصفها حارسًا لأقدس بقعتين لدى المسلمين (مكة والمدينة).
- اضطرت المملكة، محاصرةً واحتواءً للنفوذ الإيراني المتنامي بالمنطقة، إلى لعب دور أكثر فاعلية في حل صراعات المنطقة مما انعكس في تصريحات الملك عبد الله التي جاء فيها “لا نريد من أحد أن يدير قضايانا ويستغلها في تعزيز مكانته في الصراعات الدولية”. ويتجلى هذا الدور في أمورٍ عدة، أبرزها التحرك الذي تقوم به الرياض لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتشكيل حكومة فلسطينية تحظى بالشرعية الدولية؛ فشهدت مكة، في فبراير 2007، محاولة سعودية لإنهاء الخلافات بين حركتي فتح وحماس، وتكوين حكومة وحدة وطنية فلسطينية، وقد كان مقتصراً في السابق على مجرد تقديم الدعم المالي، محجمة عن القيام بأي دور قيادي في حل الصراع بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
- مثلت استضافة السعودية للقمة العربية مؤشرًا آخر على تصاعد دورها الإقليمي، فهي المرة الأولى التي تستضيف فيها مثل هذا الحدث، كما أنَّ السعوديين أعادوا تقديم مبادرتهم للسلام، التي قدمت في عام 2002، للقمة العربية ببيروت.
………………………….
المساهمون: د. نبيل العتوم، أ. محمد زاهد غول، د. محمد عبدالله، أ. محمد الراشد د. فادي شاميه، د. أحمد العمراني، د. سيف الدين هاشم، د. أحمد العطاونه، أ. أسامه شحاده، د. اسماعيل خلف الله، د. منال الريني، د. محمد سالم بن عبد الحي بن دودو، د ـ مدّثر أحمد إسماعيل حسين الباهي، نضال خير ، د. محمد سليم منيسيري، مركز أمية ـ وحدة الدراسات الإيرانية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات