اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مؤخرا جهاز الاستخبارات الإسرائيلية «موساد» بلعب دور في تنظيم استفتاء انفصال إقليم كردستان العراق، الذي أجرته حكومة الإقليم .
وبعدما انتقد رفع الأكراد العراقيين أعلام إسرائيل خلال احتفالهم بنتيجة الاستفتاء، قال أردوغان إن «هذا يثبت وجود تاريخ مشترك لهذه الإدارة مع الموساد.. إنهما يسيران يدًا بيد».
وقد نددت دول العالم بشدة بالاقتراع، وكانت إسرائيل الوحيدة التي أبدت تأييدها علنا لانفصال إقليم كردستان.
وقال أردوغان مخاطبا القادة الأكراد العراقيين، خلال خطاب متلفز ألقاه في أرضروم شرقي تركيا، «هل تدركون ما تقومون به؟ وحدها إسرائيل تدعمكم».
وتعارض أنقرة إنشاء دولة كردية على حدودها، خشية أن يؤجج ذلك النزعة الانفصالية للأكراد على أراضيها الذين يشن فصيل منهم تمردا داميا في جنوب شرقي البلاد.
وقد هددت تركيا, إقليم كردستان؛حليفها منذ فترة طويلة، بعقوبات اقتصادية وبالعمل العسكري, وأكد اردوغان أن إقليم كردستان العراق سيدفع ثمن هذا الاستفتاء غير المقبول, وحذر من أن تركيا قد تقطع خط الأنابيب الذي يحمل النفط من شمال العراق إلى العالم الخارجي، وقال: «إن جيشنا ليس على الحدود من أجل لا شيء، وقد نصل فجأة بين عشية وضحاها»,
ويرى مراقبون أنه بقدر ما يسجله التهديد نقاطا إيجابية بين القوميين في داخل تركيا، لكنه يطلق النار على نفسه فيما يخص السياسة الإقليمية بحسب ماكتبه غونول تول بمعهد الشرق الأوسط .
وتعد العلاقة التركية المزدهرة مع كردستان نقطة مضيئة فى سجل السياسة الخارجية المضطرب في أنقرة في الأعوام القليلة الماضية.
وفي الوقت الذي شهدت فيه تركيا توترا مع العراق وإيران وسوريا وروسيا والغرب، ظل مسعود بارزاني، رئيس المنطقة الكردية المتمتعة بالحكم الذاتي في العراق، حليفا حاسما.
ووضعت تركيا رهانها على بارزاني في جهودها الرامية إلى مواجهة حزب العمال الكردستاني (بي كا كا)، سواء في الداخل أو في المنطقة.
وفي زيارة تاريخية إلى ديار بكر، العاصمة الروحية لأكراد تركيا، دعا بارزاني أكراد تركيا لدعم عملية السلام مع أنقرة عام 2013.
وكانت هذه الزيارة الأولى التي يقوم بها بارزاني إلى جنوب شرق تركيا خلال عقدين من الزمن، وكانت بمثابة دعم لأردوغان، الذي جلس في الصف الأمامي، بينما وجه ضيفه حديثه أمام حشد كبير يلوح بالأعلام الكردية.
وكان أردوغان قد وصف الزيارة بأنها تتويج للجهود الرامية إلى إنهاء التمرد الذي استمر 3 عقود في تركيا من قبل نشطاء بي كا كا.
وبعد عام، وبعد ضغط متصاعد من الولايات المتحدة، سمحت تركيا للبيشمركة الكردية العراقية بالعبور إلى مدينة كوباني السورية المحاصرة للمساعدة في القتال ضد تنظيم الدولة، بينما رفضت السماح لأكرادها القيام بذلك. وأعربت أنقرة عن أملها في استخدام قوات بارزاني لموازنة الميليشيات الكردية السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني التركي، وهي وحدات حماية الشعب الكردية.
ودعم بارزاني جهود تركيا في التصدي لوجود «بي كا كا» في شمال العراق أيضا، بل سمح لأنقرة أيضا ببناء قواعد عسكرية في المناطق الخاضعة لسيطرته، حيث تقوم تركيا فيها بتدريب قوات البيشمركة.
وكانت الشراكة في مجال الطاقة والشراكة العسكرية الوثيقة بين أربيل وأنقرة موضع غضب من قبل بغداد، التي اعتبرت هذه الشراكة خرقا لسيادتها.
كما استفادت تركيا من التجارة مع إقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي، بعد أن أصبح الإقليم ثالث أكبر سوق لصادرات تركيا ومزود رئيسي للنفط والغاز.
وكانت أنقرة قد عارضت بهدوء السيطرة الكردية على مدينة كركوك الغنية بالنفط.
وترتبط تركيا بعلاقات تاريخية وعرقية مع السكان التركمان في المدينة، وقد عارضت منذ فترة طويلة السيطرة الكردية، خوفا من أن تتسبب تلك السيطرة على موارد الطاقة الهائلة في إرساء الأسس الاقتصادية لكردستان مستقلة، وأن يتم ممارسة التمييز ضد التركمان.
واستولت قوات البيشمركة على الكثير من مناطق من كركوك من تنظيم الدولة الإسلامية، بعد فرار الجيش العراقي عام 2014.
واستفادت تركيا من ضخ النفط الخام من كركوك عبر خط أنابيب عبر جنوب شرق تركيا إلى البحر الأبيض المتوسط.
ولا تجمع تركيا رسوم العبور فقط، ولكنها تعتمد أيضا على الواردات لتلبية احتياجاتها سريعة النمو للطاقة.
ولن يؤدي فرض عقوبات على كردستان إلى الإضرار بتركيا اقتصاديا فحسب، بل يضعف أحد حلفائها القلائل جدا في المنطقة، الأمر الذي قد يكون له آثار بعيدة المدى على الاستراتيجية الإقليمية لتركيا.
ومن شأن ذلك أن يشجع المعارضين المحليين لبارزاني، الذين لهم علاقات وثيقة مع إيران، الأمر الذي يتيح لطهران المزيد من النفوذ في شمال العراق على حساب أنقرة.
وإذا فرضت تركيا حظرا تجاريا، واختارت إيران عدم فعل ذلك، ستتحول الشركات الإيرانية والروسية لكي تملأ الفراغ التجاري، الأمر الذي لا تريده أنقرة.
وقد أصبحت روسيا بسرعة أكبر ممول لصفقات النفط والغاز الكردية، مع ما يصل إلى 4 مليارات دولار، وهو ما يتجاوز ما تلقته المنطقة الكردية من تركيا.
وقد يعني إضعاف بارزاني إضفاء مزيد من القوة على «بي كا كا»، حيث يخوض الاثنان في منافسة شرسة على النفوذ، بل ودخلا في نزاع مسلح في التسعينات.
ويشارك حزب العمال؛ «بي كا كا» في سياسة إقليم كردستان، ويدعم أحزاب المعارضة أمام نفوذ بارزاني, وعارض الحزب الاستفتاء لأسباب أيديولوجية وعملية، حيث يخشى أن يؤدي هذا التحرك إلى زيادة شعبية بارزاني ونفوذه على حساب الحزب.
وعلى أردوغان الآن أن يعمل على ردٍ يكسب من خلاله دعم القوميين في الداخل قبل الانتخابات الحرجة عام 2019.
ولكن السؤال هو إلى أي مدى تريد تركيا أن تضعف أحد أهم حلفاء أنقرة في المنطقة ؟!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات