الإقناع هو منهج الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لإبلاغ دعوة الله وإقامة دينه وإصلاح الأفراد والمجتمعات، والإقناع هو: حث الآخرين على فهم وتأييد وجهة نظرك، وكسبهم الى جانبك، فيما تحاول نقله اليهم من معلومات.
والإقناع المثمر هو خطاب العقل والقلب الذي يستوجب زرع الثقة في نفسية الطرف الاخر، وعرض وجهة نظرك له بطريقة منطقية، وتحريك مشاعره لتقنعه بأن الهدف الوحيد هو مساعدته.
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدعا في فن الإقناع وهنا نذكر مثالا واحدا من بين الأمثلة العديدة، وهو ما رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ـ رضي الله عنه ـ قال: إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا،
فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه،
فقال صلى الله عليه وسلم: (أدنه)، فدنا منه قريبا، فجلس،
قال صلى الله عليه وسلم (أتحبه لأمك؟) قال: لا والله, جعلني الله فداءك، قال: صلى الله عليه وسلم: (ولا الناس يحبونه لأمهاتهم)، قال صلى الله عليه وسلم: (أفتحبه لابنتك؟)، قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال صلى الله عليه وسلم: (ولا الناس يحبونه لبناتهم) قال صلى الله عليه وسلم: (أفتحبه لأختك؟) قال: لا والله, جعلني الله فداءك قال صلى الله عليه وسلم: (ولا الناس يحبونه لأخواتهم), قال: (أفتحبه لعمتك؟) قال: لا والله, جعلني الله فداءك, قال (ولا الناس يحبونه لعماتهم)، قال: (أفتحبه لخالتك؟) قال: لا والله, جعلني الله فداءك, قال: ( ولا الناس يحبونه لخالاتهم). قال: فوضع يده عليه صلى الله عليه وسلم وقال: ( اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه) فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء) صححه الألباني .
وتتضح عبقرية الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع هذا الموقف الصعب وإقناع الفتى بعكس ما يطلب، من خلال المشاهد الآتية:
1- الرسول يقدر حاجة الفتى المراهق: لما طلب الشاب من النبي صلى الله عليه وسلم عليه الإذن في الزنا، نظر إليه فرآه في عنفوان فتوته، وقدّر صلى الله عليه وسلم أن لديه شهوة متوقدة في نفسه وجسده، قد عجز عن إشباعها في الحلال لعدم قدرته على الزواج، وهكذا وقع صلى الله عليه وسلم على حال الشاب.
2- الرسول يرفق بالفتى رغم غرابة طلبه: كان أمر الشاب غريبا وعجيبا، إذ لم يستحيي من الرسول صلى الله عليه وسلم حامى الشريعة ومنفذ حدودها حال طلبه أن يأذن له في ارتكاب كبيرة حرمها الله في الكتاب الكريم والسنة المطهرة وقرر سبحانه جزاء مخالفتها حد الجلد أو الرجم، ومع ذلك رفق به صلى الله عليه وسلم ورفض رد فعل أصحابه, وطلب منهم الكف عن زجره وتعنيفه.
3- الرسول يهيئ جو الحوار مع الفتى: طلب صلى الله عليه وسلم من الشاب أن يدنو منه ليكون بين يديه، قرَّبه ليضمد جراح الزجر ويبعده عن ضجيجه الذي لاقاه من القوم، وليصنع صلى الله عليه وسلم الجو الهادئ الذي يتم فيه خطاب القلب والعقل، وليزرع الثقة في نفسه، حتى يبلغه الرسالة والنصح بالتي هي أحسن، وليهيئ المخطئ تهيئة نفسية لكي يقبل الصواب.
4- لم يذكّر النبي الفتي بالنصوص الشرعية: بعد أن زرع الرسول صلى الله عليه وسلم الثقة والطمأنينة في قلب الفتى، لم يتكلف ذكر الأدلة الموجودة في القرآن، ولم يذكر العقوبة المترتبة على ذلك، ولم يحصل التوبيخ أو التحذير، فقط استخدام معه أسلوب الإقناع بوسائل منطقية.
5- مخاطبة مشاعر الفتى وضميره: الزنا رذيلة يأباها ويتأفف منها كل عاقل، لكن قد يغيب العقل إذا اشتدت الشهوة وزاد سعارها فيسقط المرء ويفعلها، لكنه يأبى بشدة أن تُفعل الفاحشة في أرحامه، لذلك خاطب الرسول الفتى بهذا المنطق، وقد تدرج معه في خمسة أسئلة تشمل كل أرحامه فقال : “أتحبه لأمك ؟ ” ، أتحبه لابنتك؟ ، لأختك؟ ، لعمتك؟ أتحبه لخالتك؟
وفي كل مرة يجيب الشاب نافيا ذلك ورافضا بشدة قائلا : لا والله, جعلني الله فداءك، والرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليه بخطاب المنطق والعقل أيضا, أن كل الناس كذلك يبغضون ذلك ويرفضونه، قائلا إن الناس لا يحبون الزنا لأمهاتهم، ولا لبناتهم، ولا لأخواتهم، ولا لعماتهم، ولا لخالاتهم .
6- الرسول يدعو للفتى بطهارة القلب والفرج: وهكذا كان حرص الرسول على أن يأخذ بكافة الأسباب المادية لإصلاح الفتى، ثم يختم ذلك بأن يرفع أكف الضراعة إلى الله داعيا بصوت يسمعه الفتى وكل الحضور، قائلا: (اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه).
وهكذا عالج صلى الله عليه وسلم الموقف بكلمات يسيرات وبأساليب راقية جعلت هذا الشاب يخرج من عند الرسول والزنا أبغض شيء لديه.
وتلك هي تربية الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته على مهارة وفن إقناع الآخرين بوجهة نظرك وكسبهم إلى جانبك برسالة الإسلام في إصلاحه الأفراد وبناء المجتمعات، فليكن الرسول زعيمنا وقدوتنا في التنمية البشرية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات