في صمت ثقيل وخارج دائرة الضوء الإعلامي، انتقلت واحدة من أكبر المزارع الخاصة في مصر إلى قبضة شركة إماراتية.
وبحسب تقرير لموقع “الاستقلال”، يأتي ذلك دون إعلان رسمي من حكومة النظام المصري، ودون أي توضيح عن الجهة البائعة؛ حيث أبرمت صفقة استحواذ في 4 أغسطس 2025، على مجمع زراعي يمتدّ على عشرة آلاف فدان في وادي النطرون.
ويضمّ المجمع ملايين الأشجار المثمرة وينتج محاصيل إستراتيجية تكفي لإمداد أسواق محلية ودولية.
المفارقة الصادمة أن الشركة الإماراتية المشترية لم تخف نواياها، الهدف، كما جاء في بيانها، هو تعزيز الأمن الغذائي الخليجي، لا المصري.
وفي بلد يئنّ تحت وطأة أزمة غذاء متصاعدة، وتضخم يلتهم قوت الفقراء، يبدو التخلي عن أصول زراعية بهذا الحجم أكثر من مجرد صفقة تجارية.
بل إنه تخلٍّ إستراتيجي عن شريان سيادي يتصل مباشرة بأمن المصريين الغذائي واستقلالهم الاقتصادي.
وفي ظل انشغال الرأي العام المصري بالأزمات الاقتصادية اليومية، مر خبر استحواذ شركة إماراتية على أحد أكبر التجمعات الزراعية في البلاد مرور الكرام.
الخبر الذي نشرته عدة منصات اقتصادية عربية وأجنبية، يشير إلى أن شركة “إن آر تي سي فود القابضة” الإماراتية، المتخصصة في توزيع الفواكه والخضراوات في الخليج، أعلنت استحواذها الكامل على “مزارع الهاشمية“.
وهي مزارع كبرى تقع في منطقة وادي النطرون، بمساحة شاسعة تقدر بـ10 آلاف فدان، تزرع منها فعليا نحو 70 بالمئة من المساحة الإجمالية.
وتضم المزارع الهاشمية أكثر من مليوني شجرة مثمرة، وتنتج محاصيل إستراتيجية مثل، الحمضيات، الزيتون، والعنب، والمانجو، والتمور، والقمح، وبنجر السكر.
وتعمل بمنظومة ري حديثة تعتمد على الطاقة الشمسية، وتبلغ طاقتها الإنتاجية السنوية نحو 70 ألف طن.
ورغم أهمية الصفقة وحجمها، يغيب تماما عن البيانات الرسمية أو التغطيات الإعلامية اسم الجهة المصرية التي باعت هذا المجمع الزراعي الضخم، فيما لم تحدد الحكومة، ولا الشركة الإماراتية، هوية المالك السابق ولا تفاصيل الإجراءات القانونية التي تمت بموجبها نقل الملكية.
هذا الغموض يثير علامات استفهام عميقة حول الشفافية والمحاسبة، وحول من يصرف الثروة الزراعية الوطنية في صمت.
ومن الملاحظات في البيان الصادر عن الشركة الإماراتية، أنه أعلن صراحة أن الاستحواذ على مزارع الهاشمية يأتي في إطار “تعزيز الأمن الغذائي الإقليمي لدول مجلس التعاون الخليجي”، وهو ما يطرح تساؤلات بالغة الحساسية، هل تحولت الأراضي المصرية إلى رافد مستقر للموائد الإماراتية؟
خاصة أن الصفقة تأتي في وقت تعاني فيه مصر من شح مائي مزمن وتآكل للرقعة الزراعية بفعل التغيرات المناخية وسوء التخطيط العمراني.
ما يطرح استفسارات عن كيفية تفويت واحدة من أخصب مناطق الزراعة في دلتا مصر إلى مستثمر أجنبي، يمتلك كامل السيطرة على المياه والري والطاقة الإنتاجية وحتى التصدير.
التمدد الإماراتي
ويقول تقرير موقع “الاستقلال”، أنه في عام 2023، أطلقت الحكومة الإماراتية إعلانا بدا وكأنه عنوان لمرحلة جديدة من النفوذ العابر للحدود: “نحن ماضون في إعادة هيكلة النظم الغذائية، إلى أن نكون قادرين على زراعة أي شيء، في أي مكان، بصرف النظر عن المناخ والبيئة.”
لم يكن التصريح نظريا أو عاطفيا، بل مقدمة لما يمكن تسميته اليوم بأوسع عملية تملك منظم للموارد الزراعية في المنطقة.
وضمن هذا التوسع، كانت مصر هي الحلقة الأكثر أهمية وخصوبة، فبحسب ما رصدته منظمة “GRAIN” الإسبانية المعنية بحماية السيادة الغذائية، في 3 يوليو 2024، فإن الإمارات باتت تملك وتدير ما يقارب 788 ألف فدان من الأراضي الزراعية المصرية.
وهو رقم ضخم إذا ما وضع في سياقه المحلي، فبين عامي 2014 و2023، أعلنت سلطات النظام المصري أنها استصلحت نحو 1.827 مليون فدان.
بكلمات أوضح، بحسب المنظمة الإسبانية، فالإمارات باتت تتحكم فعليا في أكثر من 40 بالمئة من إجمالي ما تمَّ استصلاحه من الأراضي المصرية خلال العشرية الأخيرة.
وفي قلب هذا التمدد، تقف شركة “الظاهرة” الإماراتية، الذراع الزراعي الأقوى لمجموعة أبوظبي القابضة.
هذه الشركة لا تدير مشروعات محدودة أو هامشية، بل تمتد زراعتها على أكثر من ربع مليون هكتار داخل مصر، موزعة بين توشكى وشرق العوينات والصالحية.
القمح، الذرة، البرسيم، البطاطس، التمور، المانجو، العنب، كلها باتت تزرع تحت اسم “الظاهرة”، التي أعلنت بنفسها أنها “أكبر منتج قمح من القطاع الخاص في مصر“.
ووفق تصريحات رئيسها التنفيذي رؤوف توفيق، في 16 أغسطس 2024، فقد سلمت الشركة نحو 450 ألف طن من القمح لوزارة التموين خلال خمس سنوات، إلى جانب 210 آلاف طن من الذرة، و90 ألف طن من بنجر السكر، معظمها ذهبت للسوق المحلي.
لكن المشهد لا يقف عند الإنتاج، ففي يوليو 2023، وقعت القاهرة اتفاقية قرض بقيمة 100 مليون دولار مع صندوق أبوظبي للتنمية، لشراء الحبوب من “الظاهرة“.
نعم، الدولة المصرية اقترضت لتشتري محاصيل من شركة إماراتية تزرع على أرضها.
وتزامنا مع هذا، بدأت مفاوضات بين “الظاهرة” وحكومة النظام للحصول على 500 ألف فدان إضافية في مشروع توشكى، وهو ما قد يرفع حصة الشركة إلى أرقام تُقارب نصف مليون فدان منفردة.
اللاعب الثاني للإمارات في القطاع الزراعي المصري، هو شركة “جنان” التي اختارت التركيز على إنتاج الزيتون والتمر، وأعلاف الماشية، في مناطق المنيا وشرق العوينات.
وتشارك “جنان” أيضا في مشروع لإنتاج حليب الجاموس، بالتعاون مع شركة محلية.
أما الشركة العائلية الإماراتية القابضة (IHC)، فتتمدّد في القطاع من خلال علامتين: “الهاشمية” و”إثمار”، حيث تركز على إنتاج عنب المائدة والمانجو والحمضيات، وتستهدف أسواق التصدير بشكل مباشر.
ولكن ما يحدث في الحقول لا ينفصل عما يحدث في المصانع، فشركة “أغذية”، التابعة للقابضة أبوظبي، تمتلك حاليا 70 بالمئة من شركة أبو عوف للأغذية الصحية والمعلبة، وتدير أكثر من 175 فرعا في مصر.
كما أن مجموعة الغرير الإماراتية تسيطر على 70 بالمئة من شركة القناة للسكر، وتشغل مشروعا ضخما في المنيا يعد من أكبر مصانع السكر في الشرق الأوسط.
وفي آخر حلقات سلسلة السيطرة تأتي شبكات التوزيع الكبرى، سلسلة “اللولو” هايبرماركت، التابعة للقابضة أبوظبي، تدير عشرات الفروع في الدلتا، وتعدّ نافذة أساسية لتصريف المنتجات الزراعية الإماراتية داخل السوق المصري.
كما أن كارفور التي تديرها مجموعة ماجد الفطيم الإماراتية، تدير نحو 70 فرعا في مصر، وأعلنت عام 2023 خططا لمضاعفة عدد الفروع إلى 140 في السنوات القادمة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات