عقب اعتداء موثق على طاقم “سي إن إن”، وفي سياق تحقيق داخلي يعكس محاولة احتواء تداعيات الحادثة على صورة إسرائيل حول العالم، وسط تصاعد الاتهامات الدولية لسلوك الجيش وجرائم عناصره، أوقف الجيش الإسرائيلي كتيبة “نيتسح يهودا” التي تضم المتدينين الحريديم المتطرفين.
أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الإثنين، وقف المهمة العملياتية لكتيبة احتياط من وحدة “نيتساح يهودا” (كتيبة 97)، وإخضاع عناصرها لمسار تأهيلي يشمل “تعزيز الانضباط والسلوك”، وذلك عقب تحقيق عسكري تناول سلوك جنود خلال تأمين عملية إخلاء بؤرة استيطانية في الضفة الغربية، في حادثة أثارت انتقادات واسعة بعد توثيق اعتداء على طاقم إعلامي.
وبحسب بيان للجيش الإسرائيلي، فإن التحقيق الذي عُرضت نتائجه على رئيس الأركان، إيال زامير، خلص إلى تسجيل “إخفاقات سلوكية” و”انحراف عن الأوامر” و”تصريحات غير لائقة” تجاه صحفيين، في سياق تتزايد فيه الاتهامات الموجهة للكتيبة بارتكاب اعتداءات وانتهاكات خلال سنوات نشاطها في الضفة الغربية، وكذلك في سياق الحرب على غزة.
ويأتي نشر نتائج التحقيق ضمن نمط متكرر يعتمد فيه الجيش الإسرائيلي على تحقيقات داخلية بحق عناصره، بهدف احتواء الضغوط الدولية وتفادي فتح تحقيقات خارجية في الانتهاكات المنسوبة إليه، ما يعكس حجم الضرر الذي لحق بصورته في ظل توثيق متواصل لاعتداءات ينفذها جنوده.
ووقعت الحادثة التي يجري التحقيق فيها، الخميس الماضي، حين تعرّض طاقم من شبكة “سي إن إن” لاعتداء من قبل جنود إسرائيليين أثناء تغطيتهم إقامة بؤرة استيطانية قرب قرية تياسير شمال شرق الضفة الغربية. وأفادت رابطة الصحافة الأجنبية بأن الجنود “أمسكوا المصوّر من رقبته وألقوه أرضًا وأتلفوا معداته”، قبل أن يحتجزوا الفريق لنحو ساعتين ويمنعوه من أداء عمله، رغم تعريفهم بأنفسهم كصحافيين، مؤكدة أن الحادثة موثّقة بالكامل.
في المقابل، ادعى الجيش أن القوة التي كانت في المكان عملت على “منع الاحتكاك”، وأن الجنود فصلوا بين صحفيين وفلسطينيين وأجروا عمليات تفتيش، قبل الإفراج عنهم لاحقًا، مع الإقرار بأن أحد الجنود أدلى بتصريح “غير لائق”. وأضاف أن ادعاءات ممارسة العنف “قيد الفحص”، فيما قال إن الفحوصات الأولية “لم تُظهر مؤشرات” على اعتداء سابق بحق مسن فلسطيني.
وفي تعقيبه، قال رئيس الأركان زامير إن ما حدث “فشل أخلاقي خطير لا يتماشى مع قيم الجيش”، مضيفًا: “لن نقبل بمثل هذه الحوادث داخل الجيش. من واجبنا الحفاظ على طابع الجيش وقيمه”. كما شدد على أن “التصريحات الداعية إلى الانتقام من قبل الجنود تُعد خطيرة للغاية”
وبناءً على نتائج التحقيق، قرر الجيش الإسرائيلي، بحسب بيانه، وقف نشاط الكتيبة مؤقتًا، مع إبقائها في الخدمة الاحتياطية لإخضاعها لعملية “تعزيز الأسس المهنية والسلوكية”، على أن تعود إلى النشاط فقط بعد قرار قائد المنطقة بشأن جاهزيتها.
وتُعد “نيتساح يهودا” من الوحدات التي أُثيرت حولها انتقادات متكررة في السنوات الأخيرة على خلفية سلوك جنودها في الضفة الغربية، بما في ذلك حوادث عنف موثقة، من بينها واقعة استشهاد المسن الفلسطيني عمر أسعد (80 عامًا) الذي يحمل الجنسية الأميركية، بعد توقيفه وتركه في ظروف قاسية، وهي حادثة أثارت انتقادات واسعة ودعوات لتفكيك الكتيبة.
وتشير المعطيات إلى أن الكتيبة تتميز بتركيبة اجتماعية–أيديولوجية خاصة، تضم شبانًا من خلفيات دينية وقومية متشددة، ما ساهم، وفق تحليلات، في تشكّل ثقافة داخلية تميل إلى العنف في التعامل مع الفلسطينيين، خصوصًا في سياق المهام “الشرطية” في الضفة الغربية.
ويأتي هذا التطور في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الدولية لسلوك القوات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك التعامل مع الصحافيين، إذ سبق أن نددت رابطة الصحافة الأجنبية في آذار/مارس باعتداء منفصل نفذته الشرطة الإسرائيلية في القدس، أدى إلى إصابة أحد العاملين في شبكة “سي إن إن”
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز قرار وقف نشاط الكتيبة كإجراء داخلي يثير تساؤلات حول مدى كفايته في مواجهة نمط متكرر من الانتهاكات، وما إذا كان يهدف إلى توفير غطاء قانوني للجنود المتورطين، في ظل استمرار توثيق اعتداءات بحق مدنيين وصحافيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتُظهر الوقائع الميدانية استمرار استهداف الصحافيين في مناطق مختلفة، إذ سُجّلت مجددًا حالات استهداف مباشر خلال تغطيات ميدانية في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان، عبر غارات وإطلاق نار أدى إلى استشهاد وإصابة العشرات منهم. وأشار حقوقيون إلى سياسة إسرائيلية ممنهجة من الانتهاكات التي تطال العاملين في المجال الإعلامي في محاولة لمنع فضح ممارسات الاحتلال.
وتُعد إسرائيل من بين أكثر الدول التي تعتقل الصحفيين وتحتجزهم، بحسب ما أفادت لجنة حماية الصحافيين. وفي حين يُعد الصحافيون الأجانب أقل عرضة للمخاطر مقارنة بنظرائهم الفلسطينيين، إلا أنهم يواجهون في بعض الحالات تهديدات مباشرة، من بينها إشهار السلاح في وجوههم عند الحواجز أو في مناطق التوتر.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات