الوسائل والتمويل
تستخدم إيران العديد من الوسائل للتمدد في إفريقيا, نذكر ما نراه مهماً أو مسكوتا عنه:
- المغتربون اللبنانيون: يلاحظ أن المغتربين اللبنانيين يلعبون دور «الدينامو» في هذه المجال، خاصة في أوساط الشباب الذين درسوا في الخارج، وكذلك النخب التجارية بحكم عنصرهم العربي وتمكنهم من اللغة الفرنسية المنتشرة في الأوساط (الفرانكوفونية) .
- التجار العراقيون: تلعب الشخصيات التجارية الشيعية العراقية واللبنانية دوراً مهما في خدمة المبشرين للتشيع، ويتزعم الشيعة في السنغال محمد علي شريف، وهو من أصول موريتانية، وينشط في المجال التجاري بين السنغال وموريتانيا، وتلقى تعليمه بفرنسا، وله إصدارات باللغتين الفرنسية والعربية. ويظهر الوجود الشيعي أساسًا في العاصمة (داكار)، وبعض المناطق الآهلة المحيطة بها .
- البعثات الدبلوماسية: عملت طهران منذ بداية القرن 21 على توسيع دائرة علاقاتها الإفريقية، إذ تملك بعثات دبلوماسية في أكثر من 30 دولة، كما عقدت قمة إفريقية – إيرانية عام 2010 تحت ما يسمى بمنتدى التقارب الفكري، في طهران بمشاركة زعماء 40 دولة سمراء، إضافة إلى تمتع طهران بعضوية “المراقب” في الاتحاد الإفريقي.
وتعتبر البعثات الديبلوماسية والقنصلية عشّ الدبابير للتبشير الشيعي حيث تحرص على إضفاء صفة الرسمية للمبشرين كما تؤمّن الدعم الاستخباراتي للخلايا الجاهزة للتجنيد في العمل العسكري ضمن مليشيات راعية، لتستنسخ تجربتها في شعوب آسيا الوسطى حين جندت الطلاب من الجامعات والمراكز الثقافية للجهاد المقدس للدفاع عن مرقد السيدة (زينب) رضي الله عنها- في سوريا!
وقد تمكن الإيرانيون من دخول دمشق من أبوابها الواسعة مستغلين وجود بعض المراقد الدينية، التي تحولت في ما بعد إلى “عتبات مقدسة” استوجبت لاحقاً دخول الميلشيات الإيرانية والتابعة لها لحمايتها.
- البعثات العلمية والثقافية: استغلَّت إيران المنح التي تقدّمها جامعاتها للطلاب في عدد من البلدان الإفريقية مثل النيجر، وجامبيا، ونيجيريا، والكامرون، وجزر القمر لإيجاد موطئ قدم لها، لدرجة أن بلدانًا مثل (جزر القمر) لم تكن تعرف إلا المذهب السنيّ حتى منتصف العقد الماضي حتى وصل الرئيس أحمد عبد الله سامي لسدَّة السلطة؛ وهو الذي درس في إيران لسنوات حتى أطلق عليه آية الله؛ ونجح في نشر التشيع هناك .
وأنشأت البعثة الإيرانية في الصومال مثلاً مدرسة للتعليم الحرفي للبنات في منطقة (حمروين) جنوب مقديشو لإنشاء علاقات مع القطاع النسوي.
- الطرق الصوفية وطبقة الأشراف الهاشميين: وبحسب مراقبين فإن الإيرانيين أنشؤوا علاقات وصلات قوية مع رجال من الطرق الصوفية أصحاب النفوذ القوي في المجتمعات الإفريقية وجماعات من الأشراف، وسعت إلى التقرب إليهم بالدعم الاقتصادي، وهو ما يتكرّر بالتقرب إلى رجال القبائل واستخدامهم كقناة لتقديم المنح الطلابية لأبنائهم، وفتح فرص الانفتاح على العالم تحت أيد “مسلمة آمنة” كما يقدمون أنفسهم لهم, وعمدت إلى استغلال الشراكة الإعلامية، كما فعلت مع قناة (الثقلين) المصرية ذات التوجه الصوفي.
- اللعب على الوتر العقدي: يعتمد مبشرو التشيع في التقارب مع بعض الطرق الصوفية، وجماعات من الأشراف على الوتر العقدي، وأن ما يجمعهم مع الصوفية السنة مفهوم (الأقطاب) المؤثرة في الكون، والتقرب إليها عند قبورهم، وهو ذات المهدي المغيب، الذي يؤثر في الكون من سردابه.
فكانت الطرق الصوفية، وما يترتب عليها من ظاهرة المقامات وأضرحة الأولياء الصالحين أبرز نقاط الالتقاء والاختراق، وذلك بتشبيه المراقد والإمام الغائب بالأضرحة والإمام القطب.
أما الأشراف فيتم استدراجهم تحت شعار دعم أهل بيت النبي – صلى الله عليه وسلم-، وإبهارهم بـ( المجمع العالمي لآل البيت) الذي يتخذه المبشرون الإيرانيون غطاءً لاستثارة عواطف المسلمين الأفارقة الصوفية الرقيقة تجاه حبّ النبيّ وآله.
وكثيراً ما يلهب المبشرون بالتشيع عواطف الأقليَّات العرقية تحت شعار (دعم المستضعفين)، والسود تحتَ شعار مناهضة التمييز العنصري.
- المراكز والمؤسسات الفرانكوعربية: يعتبر أسلوب إنشاء الحسينيات، وتكثيف الأنشطة في المراكز الثقافية محاكاةً وتقليداً كاملاً للأسلوب الفرنسي في استهداف هوية الشعوب الإفريقية إن كانت تنشئ الكنائس وسط المناطق الآهلة بالمسلمين السنة، وتلعب المراكز الثقافية الفرانكو عربية دوراً مهماً في إحداث التواصل، واختراق البنية النسيجية للمجتمع الإفريقي.
- المراكز البحثية والاستشارية: دعت إيران القيادات الشيعية في كل من مصر والصومال وساحل العاج، ونيجيريا لحضور مؤتمر القيادات الشيعية العالمي الذي سيعقد الشهر القادم. ومن المتوقع أن يخرج المؤتمر بتوصيات لتقديم الدعم لإنشاء مراكز بحثية ودراسية بالدول العربية والإفريقية، وخطورة هذه المراكز البحثية كونها تمثل منصة استخباراتية متقدمة للمشروع الإيراني خاصة في الدولة المختارة ذات الأهمية الإستراتيجية .
- الحماية الفرنسية للتمدد الشيعي: ما يثير الاهتمام جملة من الحقائق المثيرة للتمدّد الشيعي عموماً أهمها الغطاء الفرنسي الذي يتمتع به المبشرون الشيعة في إفريقيا وغيرها من المناطق التي لا زالت تحت النفوذ التاريخي لفرنسا كتغلغل (حزب الله) في لبنان، وهو تحت الوصاية الفرنسية وعلى مقربة من الكيان الصهيوني الذي بدوره يتمتع بالحماية الدولية .
نفس الأمر يتعلق بإفريقيا حيث تركز إيران على مناطق النفوذ الفرنسي، وتتمدد فيها بأريحية عكس المناطق التي تعتبر تاريخياً تحت النفوذ البريطاني فنراه يدعم “الأحمدية” بقوة.
يلاحظ أيضاً أن إيران تركز على التمدّد في النسيج السنّي المالكي، مع غياب كامل في المناطق المسيحية، والوثنية في الدول الإفريقية – الفرانكوفونية, ويمكن تفسير ذلك من خلال تطابق مفهوم الثورة الفرنسية التوسعية مع مفهوم الثورة الإيرانية التمددية؛ فإيران نسخة مطابقة لطبيعة الدولة القومية التي أفرزتها الثورة الفرنسية, وهذا ما يفسر دورها في إنجاح الثورة الإيرانية.
كما يفسر أيضاً الغطاء الفرنسي للاقتصاد الإيراني بصفقات الطائرات وغيرها, كما لعبت دور الموازن للمصالح في الاتفاق النووي الإيراني مع أمريكا والغرب.
لكن أهم تجلٍّ لذلك التطابق في الرؤية الثورية، هو سماح فرنسا للتمدّد الشيعي في مناطق نفوذها التاريخية في إفريقيا.
إن استعصاء النسيج الاجتماعي الإفريقي للمسلمين السنة على الحركات التبشيرية النصرانية، يعتبر فشلاً فرنسياً كبيراً في إنشاء شعوب خاضعة لإرادتها، لذلك يتم اعتماد استراتيجية تفكيك هذا النسيج بالحركات التبشيرية الشيعية لسهولة تلبسها بالغطاء الإسلامي، وخداعها؛ بغية الوصول إلى إنتاج شعوب خاضعة للمشروع الإيراني؛ الحليف الطبيعي للثورة الفرنسية ذات الأطماع التوسعية.
- المغرب العربي وجدار الصد: شكلت ظاهرتا الانسداد السياسي، والفوضى الدينية التي تعيشها أغلب البلدان المغاربية؛ بوابة إفريقيا الشمالية, المدخل الأنسب للحملات التبشيرية للتشيع، وتصدير فكر الثورة الخمينية. وقد أدى ذلك إلى تجرؤ السفارة العراقية في الجزائر مثلاً؛ لتكون طرفاً في الاستقطاب المذهبي عبر استقدام الفنانين، وتأسيس جمعيات أهلية وثقافية تتبنى الفكر الشيعي. كما كانت دعوة (مقتدى الصدر) العراقي للعناصر الشيعية بالانتقاضة، وعدم الاستكانة للفئة الضالة، ويقصد بذلك عموم الجزائريين.
لكن تفطن الشعوب لخطورة هذا الفكر الغريب عن الطبيعة الإفريقية ذات النسيج المسلم خاصة بعد انكشاف دورها في كل من سوريا، والعراق، واليمن، وحقيقة (حزب الله)، وقائده حسن نصر الله، كل ذلك ولّد ردات فعل رافضة على المستويين الشعبي والرسمي.
ففي الجزائر رُفعت احتجاجات على أنشطة الملحق الثقافي في السفارة الإيرانية وكان شعار “أطردوا_الموسوي”، ثم عقبها رفض شعبي لزيارة الرئيس روحاني، التي ألغيت بسبب الضغوط الشعبية الرافضة.
كما لجأ المغرب خلال سنوات ماضية إلى قطع علاقته الدبلوماسية مع إيران احتجاجاً على تنامي النشاط الشيعي، وقامت السلطات بحملات مراقبة لمختلف المكتبات، وصادرت الكتب التي لها علاقة بالتشيع.
وعمد السودان إلى قطع العلاقات معها، وإغلاق مراكزها الثقافية على خلفية التهديد الإيراني للسعودية في اليمن.
وفي مصر قال أحمد الطيب شيخ الأزهر “إننا لاحظنا أن هناك أموالاً تضخ لتحويل شباب أهل السنة إلى المذهب الشيعي، وهذا الذي نعترض عليه؛ لأنّ هذا الأمر سوف يؤدي بالضرورة إلى فتنة وإراقة الدماء في بلاد أهل السنة، وهو ما يرفضه الأزهر”.
- العزف على وتر البربرية: تحاول إيران اللعب على وتر الأقلية للعرق الأمازيغي على شاكلة ما فعلته مع العرق الكردي في سوريا والعراق، لكنها فشلت لسببين:
1-الأول: أن الأمازيغ الأحرار شكلوا لحمة دينية، وتاريخية قوية لم يستطع المبشرون الشيعة اختراقها كما فشل حلفاؤهم المبشرون النصارى من قبلهم.
2- والثاني: أن فرنسا تعتبر اللعب على الملف العرقي ورقتها الخاصة ولا تسمح لإيران بإفسادها أو إضعافها.
- ممر القرن الأفريقي: نظراً للضعف الأمني والاقتصادي لدى دولها, تعتبر منطقة القرن الأفريقي الخط المشترك بين العصابات الصهيونية والإيرانية من تجارة السلاح، وبيعه في المكونات القبلية، وتجنيد المرتزقة، وتهريب الماس، ومعادن الصناعات الحديثة، وتهريب البشر، والتجارة في الأعضاء البشرية، والمخدرات، وتخزين النفايات النووية .
وتعتبر “مجموعة المستبصرون”، أول خلية شيعية جيبوتية يقودها المدعو عبدالرحمن ادن ورسمة، وهو متشيع يعمل لصالح إيران في تشييع مزيد من الجيبوتيين، وهذا أول مرتكز المليشيات الصفوية في الخط اللوجستي الممتد حتى جنوب إفريقيا
الخلاصة:
المشروع الإيراني التوسعي له خططه للقارة الإفريقية, منها ما هو خاص به، ومنها ما هو مشترك مع غيره من المشاريع ذات الطابع الاستعماري التوسعي. لكن ما يميز التمدد الشيعي عن غيره هو اقتصاره على مناطق السنة لذلك تغيب ميليشياته في باقي البلدان ذات التعداد السكاني الضخم كالصين، وروسيا، وشبه القارة الهندية, رغم أنها الأقرب إليه من حيث الجغرافيا, وهو ما يجعل من المشروع الإيراني مشروع هدم، وليس مشروع حضارة، وعنصرا مهددا للنسيج الإفريقي البسيط، والهش في آن واحد.
مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات