التنبؤات الاقتصادية لأداء السلطة الفلسطينية لسنتي 2017–2018 (2)

تعديل التنبؤات لسنة 2017 وتنبؤات سنة 2018

  1. الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه:

لما كان سيناريو الأساس مرتكزاً على بقاء الأوضاع الفلسطينية الراهنة دون تغيير، في ظلّ وضع سياسي يتسم بعدم الوضوح ويفتقد إلى اليقين، فإن هذا الافتراض يلزم تعديله بما يتناسب مع آخر المستجدات خاصة بعد انقضاء عدة أشهر منذ بداية 2017. كصدور بيانات جديدة عن الحسابات القومية الفلسطينية تفيد حدوث تعديل إيجابي على الناتج المحلي الإجمالي نهاية 2016 ليرتفع إلى 4.1% بدلاً من 3.95% مقارنة بسنة 2015، وبمعدل متباين قدره 3%، و7.7% للضفة والقطاع على التوالي. وذلك على ضوء النمو المتسارع للربع الثالث لسنة 2016، بحيث ارتفع لنحو 5.2% على أساس سنوي مقارنة بنمو قدره 3.5% للربع السابق[1]. إضافة إلى ذلك فإن مؤشر سلطة النقد الفلسطينية لدورة الأعمال لشهر نيسان/ أبريل 2017 أظهر تحسناً ملحوظاً في قيمة المؤشر الكلي على خلفية تحسنه في الضفة وتراجعه في القطاع[2].

وبالمقابل فإن هناك مستجدات سلبية طرأت في قطاع غزة وتحديداً الخصومات المفاجئة بنحو 30% أو أكثر على مخصصات الموظفين المتقاضين رواتبهم من موازنة رام الله، مما يعني مزيداً من الركود في السوق الغزي وبطئاً لحركة المعاملات المالية عموماً، مع اتباع سياسة الحذر لدى المصارف والجهات الإقراضية في قطاع غزة، مما ينعكس بدوره على حجم الطلب الاستهلاكي والطلب الاستثماري ومن ثم حجم الإنتاج ومعدل نموه[3].

وعلى صعيد آخر، أوضح صندوق النقد الدولي أن “عملية السلام” عرضة للانهيار بشكل متزايد على الرغم من انعقاد مؤتمر باريس الدولي في يناير 2017 وتأكيد دعمه لحل الدولتين، مع غموض الموقف الأمريكي. وفي الوقت الذي دان فيه مجلس الأمن الدولي التوسع في الاستيطان فإن “إسرائيل” سارعت بمنح تراخيص استيطانية جديدة[4]. واستناداً إلى التطورات السابقة وحتى الثلث الأول للسنة المذكورة محلياً وخارجياً فنعتقد أن محصلة ذلك ستقود لتراجع في مجمل النمو الفلسطيني لسنة 2017 في حدود 0.35% عما كان مقدراً، لتصبح توقعات النمو في حدود 3% فقط بدلاً من 3.35%، وعليه يصبح نصيب الفرد من الناتج المحلي دون زيادة[5].

إن هذا المعدل المقترح يجيء استناداً للتداعيات السلبية المتوقعة في القطاع على مجالات الاستهلاك، والاستثمار، والمبادلات الخارجية، وحجم القوى العاملة، ومعدلات البطالة والفقر، وستتأثر هذه المؤشرات بدورها من جراء تراجع حجم السيولة النقدية المتاحة لجزء كبير من المواطنين، وليست الضفة بعيدة عن أحداث المنطقة.

وما لم تتخذ خطوات للحد من التداعيات السلبية المشار إليها ضمن حزمة من الإجراءات الفعالة، فإننا نعتقد أن الآثار السلبية ستستمر خلال سنة 2018 لينخفض معدل النمو بنحو 0.3% إضافية وصولاً إلى 2.7% ثم إلى 0.3–% لنصيب الفرد، ليكون هذا أكثر إيلاماً على المستهلكين كما في الجدول (2).

 

جدول رقم (2): مؤشرات التنبؤات الاقتصادية الفلسطينية المعدلة لسنة 2017 والتنبؤات الأولية لسنة 2018 لسيناريو الأساس (%)*

البيان تنبؤات معدلة 2017 تنبؤات أولية 2018
الناتج المحلي الإجمالي 3 2.7
نصيب الفرد من الناتج 0 0.3–
الاستهلاك النهائي 4.06 4.5
الاستثمار الإجمالي 4 4
الصادرات 6 7
الواردات 3 2
معدل البطالة 26 25

 * تقديرات الباحث لهذه التنبؤات على ضوء المعطيات السابق عرضها.

 

  1. تنبؤات الاستهلاك المعدلة لسنة 2017 وتنبؤات سنة 2018:

على مدى سنوات طوال أظهرت الإحصاءات الفلسطينية أن معدلات الاستهلاك النهائي عالية جداً مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، بل إن معدلات الاستهلاك تتجاوز الناتج المحقق بحيث إن إجمالي الاستهلاك قد شكّل ما بين 114–121% لسنوات 2011–2015 من الناتج المحلي الإجمالي[6]، وبالتالي فإن الادخار يصبح سالباً، دون أن يتعارض ذلك مع تزايد حجم الودائع لدى المصارف الفلسطينية والتي تجاوزت عشرة مليارات دولار بنهاية الربع الثالث لسنة 2016[7].

ومن الراجح أن جزءاً كبيراً من هذا الاستهلاك مصدره إعانات إغاثية أو تحويلات خارجية للقطاع الخاص. وعليه، فمن المتوقع استمرار الاستهلاك النهائي عند مستويات عالية ليصل التنبؤ المعدل لسنة 2017 في تقديرنا لنحو 4% بدلاً من 3.7%، ثم 4.5% لتنبؤات سنة 2018 خصوصاً وأن الإعانات الإغاثية للفقراء تشكّل دخلاً عينياً مجانياً يبرر استمرار الاستهلاك النهائي عند مستوى مرتفع.

  1. تنبؤات الاستثمار المعدلة لسنة 2017 وتنبؤات سنة 2018:

على الرغم من أهمية الاستثمار العام والخاص لأغراض النمو الاقتصادي، وعلى الرغم من حوافز التشريعات والأنظمة في فلسطين، إلا أن البيئة الاستثمارية تواجه عقبات وقيود الاحتلال على حركة النشاط الاقتصادي لرجال الأعمال، مع اعتماد الاستثمار الحكومي على ما يتاح من تمويل خارجي. ولكون الاستثمار الخاص يشكل الجانب الأكبر من الاستثمار الكلي، فإننا نتوقع تراجع نمو إجمالي الاستثمار لسنة 2017 ليصل إلى 4% بدلاً من 4.4%، ثم يستمر عند المعدل نفسه سنة 2018، خصوصاً أن دعم المانحين للنفقات الجارية والتطويرية مرشح للتناقص على حدّ سواء.

  1. تنبؤات التبادل الدولي المعدلة لسنتي 20172018:

يمثل هذا النشاط فلسطينياً دوراً محورياً من حيث حجمه وتأثيره البنيوي والتنموي بالنظر لأهمية التجارة الخارجية على مجمل الأنشطة، كما يسهم في توفير احتياجات السوق المحلية والتسويق الخارجي، لكنه في الوقت نفسه يمثل مدخلاً لنفاذ المخاطر والصدمات الخارجية[8]، خصوصاً فيما يتعلق بتجارة الأنفاق التي شكلت لقطاع غزة المصدر الرئيسي لجلب البضائع منذ فرض الحصار الإسرائيلي سنة 2006. بالمقابل فإن تخفيف الحصار يسهم جزئياً في تقليص تجارة الأنفاق مع بقاء الحاجة إليها كملاذ مهم[9].

هذا وتواجه التجارة الخارجية خللاً حقيقياً ممثلاً في العجز الكبير للميزان التجاري، لتشكل الصادرات نحو 21.3% فقط من مجموع الواردات كمتوسط للسنوات 2012–2015[10]، ليبقى هذا العجز سمة أساسٍ للتجارة الفلسطينية.

وجاء إعداد الاستراتيجية الوطنية للتصدير لسنوات 2014–2018 من منطلق التزام الحكومة بتحسين القدرات الذاتية للاقتصاد الفلسطيني، وتعزيز دور التصدير كمحرك أساسٍ للنمو ومن شأنه زيادة الصادرات خلال سنواتها الخمس بنحو 722 مليون دولار، يمثل التصدير السلعي 67% منها وبنمو سنوي 13%[11].

أما التنبؤات المعدلة للتجارة الخارجية لسنتي 2017 و2018 فتأتي من منظور أهمية الروابط التجارية والحرص على تشجيع الإنتاج للمنافسة في الأسواق الدولية. وهذا مرهون بممارسات الاحتلال، وعليه فنعتقد أن هناك إمكانية لنمو إجمالي الصادرات إلى 6% لسنة 2017 بدلاً من 5.35%، وإلى 7% سنة 2018، وذلك ترتيباً على زخم استراتيجية التصدير.

وفيما يتعلق بالاستيراد فهناك إمكانية ليوفر الإنتاج المحلي خصوصاً في الضفة جزءاً من احتياجات السوق بديلاً عن الاستيراد، ليتراجع نمو الواردات على مستوى الضفة بشكل أفضل من الحالة في غزة المحاصرة التي تعاني من دمار منشآتها الزراعية والصناعية، لتكون المحصلة النهائية لإجمالي الاستيراد متجهة نحو تراجع النمو إلى 3% بدلاً من 3.35% مع توقع استمرار التراجع إلى 2% سنة 2018، مما يعني إمكانية تقليص عجز الميزان التجاري لاحقاً.

  1. تنبؤات البطالة المعدلة لسنة 2017 وتنبؤات سنة 2018:

يتسم واقع العمالة الفلسطيني بالزيادة الكبيرة لراغبي العمل القادرين عليه ولا يجدونه، فأعداد المتعطلين تتزايد باستمرار وبلغت 361 ألفاً لسنة 2016 بحيث مثلت البطالة 26.9% من مجموع القوى العاملة، وهي نسبة مرتفعة جداً بمختلف المعايير مع فارق كبير بين معدلاتها في الضفة والقطاع حيث بلغت 18.2%، 41.7% على التوالي. هذا الفارق راجع لأن فرص تشغيل عمال الضفة في “إسرائيل” والمستعمرات متاحة لهم حيث يبلغ عددهم 109 ألفاً، يمثلون 16% من إجمالي المستخدمين بأجر على مستوى الضفة والقطاع بنهاية سنة 2016.

[1] سلطة النقد الفلسطينية، تقرير التطورات الاقتصادية الربع الثالث 2016 (رام الله: دائرة الأبحاث والسياسة النقدية، كانون الثاني/ يناير 2017)، الملخص التنفيذي، ص III.

[2] سلطة النقد الفلسطينية: ارتفاع قيمة المؤشر الكلي لسلطة النقد لدورة الأعمال نيسان 2017، صحيفة القدس، 21/4/2017، العدد 17133، ص 17.

[3] وفي اعتقادنا بضرورة التفاعل بعقلانية مع الخصومات المشار إليها بعيداً عن ردود الأفعال والتفكير ملياً قبل اتخاذ القرار المناسب وفق معطيات الأزمات المتدحرجة، مع التعاطي بروح المبادرة الوطنية لإنهاء الانقسام وغيرها من الخطوات الإيجابية الفاعلة.

[4]  International Monetary Fund (IMF), West Bank and Gaza, Report to the AD HOC Liaison Committee, 10/4/2017, p.1,

 https://www.imf.org/~/media/Files/Publications/CR/2017/042017WBG.ashx

[5] تم احتساب الفرق بين نمو الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه على افتراض أن النمو السكاني في فلسطين يبلغ نحو 3% سنوياً.

[6] سلطة النقد الفلسطينية، التقرير السنوي 2015 (رام الله: دائرة الأبحاث والسياسة النقدية، تموز/ يوليو 2016)،

 ص 105.

[7] سلطة النقد الفلسطينية، النشرة الإحصائية الربعية الربع الثالث 2016، ص 10–11.

[8] سلطة النقد الفلسطينية، التقرير السنوي 2015، ص 39.

[9] المراقب الاقتصادي والاجتماعي، العدد 27، شباط/ فبراير 2012، ص 49.

[10] سلطة النقد الفلسطينية، النشرة الإحصائية الربعية الربع الثالث 2016، ص 52–53.

[11] سلطة النقد الفلسطينية، التقرير السنوي 2015، ص 43.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …